تفسير القرآن الكريم
تفسير القرآن الكريم
Türler
•General Exegesis
Bölgeler
Mısır
تفسير قوله تعالى: (وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله)
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران:١٩٩].
هذه جملة مستأنفة لبيان أن أهل الكتاب ليس كلهم كمن حكيت من قتل الأنبياء، ومن نبذ الميثاق وتحريف الكتاب وغير ذلك: «وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ» يعني: بعض أهل الكتاب ليسوا بنفس الصفة التي سبق ذكرها، بل منهم طائفة يؤمنون بالله حق الإيمان، ويؤمنون بما أنزل على النبي ﷺ، مع ما هم مؤمنون به من الكتب المتقدمة وهم خاشعون لله أي: مطيعون له، خاضعون متذللون بين يديه.
«لا يشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا» أي: لا يكتمون ما بأيديهم من البشارة بمحمد ﷺ، وذكر صفته ونعته ومبعثه وصفة أمته، وهؤلاء هم خيرة أهل الكتاب وصفوتهم، سواء كانوا هودًا أو نصارى.
لا يكون الإنسان في خير إلا إذا أسلم، لا يتصور أن القرآن يمدح أناسًا لا يستحقون، كما يفعل بعض المنافقين الذين يأتون بأمثال هذه الآيات لمداهنة الكفار فيقولون: القرآن يمدحهم بكذا، وهذا يصور أن القرآن فيه تناقض، إذ كيف تصفهم آيات بالكفر ثم تمدحهم؟! نقول: إن الذين يمدحهم القرآن هم الذين آمنوا منهم بنبيهم حين كان مبعوثًا إليهم، أو آمنوا بالنبي ﷺ ممن أدركوا بعثته.
وبعد بعثة رسول الله ﷺ سدت جميع الطرق المؤدية إلى الجنة، ما عدا طريقًا واحدًا على رأسه رسول الله ﷺ، فلا يمكن أن يدخل أحد الجنة إلا إذا اتبع طريقه وأسلم لله ﷾، يقول تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ [القصص:٥٢ - ٥٤]، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف:١٥٩]، وهذه هي الطائفة الناجية.
وقال تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران:١١٣]، وهذه الصفات توجد في اليهود ولكن قليلًا، تجد عدد اليهود الذين يسلمون دائمًا قليلين بالنسبة إلى عدد النصارى، كما وجد في عبد الله بن سلام وأمثاله ممن آمن من أحبار اليهود ولم يبلغوا عشرة أنفس، وأما النصارى فكثير منهم يهتدون وينقادون للحق، كما قال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ * وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ * فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة:٨٢ - ٨٥]، وهكذا قال هنا: «أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ».
ومعروف أن جعفر بن أبي طالب لما قرأ سورة مريم بحضرة النجاشي، وعنده البطارقة والقساوسة بكى وبكوا معه حتى أخضبوا لحاهم، وثبت في الصحيحين أن النجاشي لما مات نعاه النبي ﷺ إلى أصحابه وصلى عليه.
فالمقصود من قوله ﵎: «وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ» يعني: مسلمة أهل الكتاب الذين يؤمنون بالله ﵎.
29 / 20