540

Tafsir Al-Quran Al-Karim Min Al-Fatiha Ila An-Nisa

تفسير القرآن الكريم من الفاتحة إلى النساء

(كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠) فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١) فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (١٨٢». [سورة البقرة: ١٨٠ - ١٨٢]

(كُتِبَ عَلَيْكُمْ) أي فرض عليكم يا معشر المؤمنين.
(إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ) أي أسبابه، كالمرض المشرف على الهلاك، وحضور أسباب المهالك.
(إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ) وهو المال الكثير عرفًا، فعليه أن يوصي لوالديه وأقرب الناس إليه بالمعروف، على قدر حاله من غير سرف، ولا اقتصار على الأبعد دون الأقرب.
• قال القرطبي: قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ) هذه آية الوصية، وليس في القرآن ذكر للوصية إلا في هذه الآية، وفي " النساء" (مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ) وفي " المائدة" (حِينَ الوصية) والتي في البقرة أتمها وأكملها ونزلت قبل نزول الفرائض والمواريث.
• قوله تعالى (إن ترك خيرًا) قال الرازي: فلا خلاف أنه المال ههنا، والخير يراد به المال في كثير من القرآن كقوله (وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ) (وَإِنَّهُ لِحُبّ الخير)، والمراد بالمال هنا الكثير: ويدل لهذا وجوه:
أولًا: أن من ترك درهمًا لا يقال: إنه ترك خيرًا، كما يقال: فلان ذو مال، فإنما يراد تعظيم ماله ومجاوزته حد أهل الحاجة، وإن كان اسم المال قد يقع في الحقيقة على كل ما يتموله الإنسان من قليل أو كثير، وكذلك إذا قيل: فلان في نعمة، وفي رفاهية من العيش، فإنما يراد به تكثير النعمة، وإن كان أحد لا ينفك عن نعمة الله.
ثانيًا: لو كانت الوصية واجبة في كل ما ترك، سواء كان قليلًا، أو كثيرًا، لما كان التقييد بقوله (إِن تَرَكَ خَيْرًا) كلامًا مفيدًا، لأن كل أحد لا بد وأن يترك شيئًا ما، قليلًا كان أو كثيرًا، أما الذي يموت عريانًا ولا يبقى معه كسرة خبز، ولا قدر من الكرباس الذي يستر به عورته، فذاك في غاية الندرة.

2 / 117