480

Tafsir Al-Quran Al-Karim Min Al-Fatiha Ila An-Nisa

تفسير القرآن الكريم من الفاتحة إلى النساء

(إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ (١٥٩) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠». [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠]

(إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ) هذا وعيد شديد لمن كتم ما جاء به الرسل من الدلالات البينة على المقاصد الصحيحة، والهدى النافع للقلوب من بعد ما بينه الله تعالى لعباده من كتبه أنزلها على رسله.
• واختلف في المراد من ذلك: فقيل: أحبار اليهود ورهبان النصارى الذين كتموا أمر محمد ﷺ، وقيل: كل من كتم الحق وترك بيان ما أوجب الله بيانه، وهو الراجح، لأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فعلى فرض أن سبب النزول ما وقع من اليهود والنصارى من الكتم فلا ينافي ذلك تناول هذه الآية كل من كتم الحق. … [فتح القدير: ١/ ١٧٧].
• قال الطبري: وهذه الآية وإن كانت نزلت في خاص من الناس، فإنها معنيّ بها كل كاتم علمًا فرض الله تعالى بيانه للناس.
• وقد رجح الإمام فخر الدين الرازي أيضًا: أن الآية تتناول كل من كتم شيئًا من الدين واستدل له بوجوه:
أحدها: أن اللفظ عام والعارض الموجود، وهو نزوله عند سبب معين لا يقتضي الخصوص على ما ثبت في أصول الفقه أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وثانيها: أنه ثبت أيضًا في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بكون الوصف علة لذلك الحكم لا سيما إذا كان الوصف مناسبًا للحكم، ولا شك أن كتمان الدين يناسبه استحقاق اللعن من الله تعالى، وإذا كان هذا الوصف علة لهذا الحكم وجب عموم هذا الحكم عند عموم الوصف.
وثالثها: أن جماعة من الصحابة حملوا هذا اللفظ على العموم، وعن عائشة ﵂ أنها قالت: من زعم أن محمدًا ﵊ كتم شيئًا من الوحي فقد أعظم الفرية على الله، والله تعالى يقول (إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ البينات والهدى) فحملت الآية على العموم، وعن أبي هريرة ﵁ قال: لولا آيتان من كتاب الله ما حدثت حديثًا بعد أن قال الناس: أكثر أبو هريرة. وتلا (إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ البينات والهدى). [مفاتيح الغيب: ١٤٨].

2 / 57