475

Tafsir Al-Quran Al-Karim Min Al-Fatiha Ila An-Nisa

تفسير القرآن الكريم من الفاتحة إلى النساء

• وقال القرطبي: جعل الله تعالى هذه الكلمات ملجأ لذوي المصائب، وعصمة للممتَحنين؛ لما جمعت من المعاني المباركة؛ فإن قوله: "إنَّا لِلَّهِ" توحيد وإقرار بالعبودية والملك. وقوله (وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ) إقرار بالهلْك على أنفسنا والبعث من قبورنا؛ واليقين أن رجوع الأمر كله إليه كما هو له. قال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: لم تعط هذه الكلمات نبيًّا قبل نبيّنا، ولو عرفها يعقوب لما قال: يا أسَفي على يوسف.
• وقد جاء في صحيح مسلم عن أُم سَلَمَة. قَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا. إِلاَّ أَخْلَفَ اللَّهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا». قَالَتْ فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ قُلْتُ أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ مِنْ أَبِى سَلَمَةَ أَوَّلُ بَيْتٍ هَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ إِنِّي قُلْتُهَا فَأَخْلَفَ اللَّهُ لِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. قَالَتْ أَرْسَلَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَاطِبَ بْنَ أَبِى بَلْتَعَةَ يَخْطُبُنِي لَهُ …).
(أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ) أي: ثناء عليهم من ربهم في الملأ الأعلى.
(وَرَحْمَةٌ) عطفها على الصلوات من باب عطف العام على الخاص، لأن الثناء عليهم في الملأ الأعلى من الرحمة.
(وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) أي: الذين اهتدوا إلى طريق الحق، فإن هذا الكلام الذي يقولونه مع الصبر هو الهداية.
• قال ابن القيم: الصبر على البلاء ينشأ من أسباب عديدة:
أحدها: شهود جزائها وثوابها.
الثاني: شهود تكفيرها للسيئات ومحوها لها.
الثالث: شهود القدر السابق الجاري بها، وأنها مقدرة في أم الكتاب قبل أن تخلق فلا بد منها.
الرابع: شهوده حق الله عليه في تلك البلوى، وواجبه فيها الصبر.
الخامس: شهود ترتبها عليه بذنبه.
السادس: أن يعلم أن الله قد ارتضاها له واختارها وقسمها، وأن العبودية تقتضي رضاه بما رضي له به سيده ومولاه.
السابع: أن يعلم أن هذه المصيبة هي دواء نافع، ساقه إليه الطبيب العليم بمصلحته الرحيم له.

2 / 52