﴿الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ هي قرى الشام وكانت متواصلة يرى بعضها من بعض لتقاربها فهي ظاهرة لأعين الناظرين. أو راكبة متن الطريق ظاهرة للسابلة لا تبعد عن مسالكهم حتى تخفى عليهم.
﴿وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ﴾ قيل: كان الحادي منهم يقيل في قرية، والرائح يبيت في قرية إلى أن يبلغ الشام ولا يخاف جوعا ولا عطشا ولا عدوّا، ولا يحتاج إلى حمل زاد ولا ماء.
وقلنا لهم: ﴿سِيرُوا فِيها﴾ ولا قول، ولكنهم لما مكّنوا من السير، وهيئت لهم أسبابه، فكأنهم أمروا بذلك، قيل: (سيروا فيها وأياما) متطاولة ﴿لَيالِيَ﴾ قيل: ﴿آمِنِينَ﴾ في ليلكم ونهاركم؛ فإنكم في كل حين وزمان لا تلقون فيها إلا الأمن.
فبطروا النعمة وملّوا العافية، وطلبوا الكد والتعب، كما طلب بنو إسرائيل البصل والثوم عوضا عن المن والسلوى، وقالوا: لو كان جنى جناتنا أبعد كان أقرب أن نشتاق إلى السفر ونركب الرواحل فيها، ونتزود الأزواد فعجل الله لهم الإجابة (^١).
﴿فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ﴾ فرقناهم في البلاد، فإنه لما غرقت بلدهم تفرقوا ذاهبين كل فرقة إلى إقليم؛ فذهبوا إلى الشام واليمن وغيرهما من الأقاليم، و﴿مُمَزَّقٍ﴾ بمعنى المصدر، أي: مزقناهم كل تمزيق.
﴿لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ لكل مؤمن؛ قال النبي ﷺ:" الإيمان نصفان، نصف شكر ونصف صبر " (^٢). ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ بقوله:
(^١) رواه الطبري في تفسيره (٢٢/ ٨٥).
(^٢) نسبه السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٤٣٩) للبيهقي في شعب الإيمان ولابن جرير وابن أبي الدنيا، -