Tafsir al-Qasimi Mahasin al-Ta'wil
تفسير القاسمي محاسن التأويل
Soruşturmacı
محمد باسل عيون السود
Yayıncı
دار الكتب العلمية
Baskı
الأولى
Yayın Yılı
١٤١٨ هـ
Yayın Yeri
بيروت
من أهل الظلمات الذين لا نور لهم، وأيضا فإن الله تعالى سمّى كتابه (نورا)، ورسوله ﷺ (نورا)، ودينه (نورا)، وهداه (نورا)، ومن أسمائه (النور)، والصلاة (نور)، فذهابه سبحانه بهم: ذهاب بهذا كله. وتأمل مطابقة هذا المثل- لما تقدمه من قوله: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ [البقرة: ١٦] كيف طابق هذه التجارة الخاسرة التي تضمّنت هول الضلالة والرضاء بها، وبدّل الهدى في مقابلتها، وهول الظلمات- التي هي الضلالة والرضاء بها- بدلا عن النور- الذي هو الهدى والنور- فبدّلوا الهدى والنور، وتعوّضوا عنه بالظلمة والضلالة. فيا لها من تجارة ما أخسرها، وصفقة ما أشدّ غبنها. وتأمّل كيف قال تعالى: ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ فوحّده ثم قال: وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ فجمعها. فإن الحقّ واحد: هو صراط الله المستقيم- الذي لا صراط يوصل إليه سواه- وهو عبادته وحده لا شريك له، بما شرعه على لسان رسوله ﷺ، لا بالأهواء، والبدع، وطرق الخارجين عن ما بعث الله به رسوله ﷺ من الهدى ودين الحق- بخلاف طرق الباطل فإنها متعدّدة متشعّبة. ولهذا، يفرد، سبحانه، الحق، ويجمع الباطل، كقوله تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ [البقرة: ٢٥٧] وقال تعالى: وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ، وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام: ١٥٣]، فجمع سبل الباطل، ووحّد سبيل الحق. ولا يناقض هذا قوله يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ [المائدة: ١٦] فإنّ تلك هي طرق مرضاته التي يجمعها سبيله الواحد وصراطه المستقيم، إنّ طرق مرضاته كلها ترجع إلى صراط واحد، وسبيل واحد، وهي سبيله التي لا سبيل إليه إلّا منها.
وقد صحّ عن النبيّ ﵌ أنه خط خطا مستقيما، وقال: «هذا سبيل الله» «١» .
ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله، وقال «هذه سبل، على كلّ سبيل منها شيطان يدعو إليه» ثم قرأ قوله تعالى: وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ، ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.
وقد قيل: إنّ هذا مثل للمنافقين، وما يوقدونه من نار الفتنة التي يوقعونها بين
(١)
أخرج ابن ماجة في السنن في المقدمة، باب اتباع سنة رسول الله ﷺ، حديث ١١: عن جابر بن عبد الله قال: كنا عند النبي ﷺ. فحطّ خطّا. وخطّ خطين عن يمينه. وخط خطين عن يساره.
ثم وضع يده في الخط الأوسط فقال «هذا سبيل الله» ثم تلا هذه الآية وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام: ١٥٣]
.
1 / 262