378

سلسلة الإيمان والكفر

سلسلة الإيمان والكفر

نشأة مصطلح أهل السنة والجماعة وأهميته في الواقع الذي نعيشه
السؤال
متى نشأ مصطلح أهل السنة والجماعة، وما هي أهميته بالنسبة للواقع الذي نعيشه؟
الجواب
هذا سؤال عن تنبؤ النبي ﷺ بفرقة هذه الأمة، وما ذكره من هلاك هذه الفرق جميعًا إلا واحدة، وهي الجماعة، وهي التي اصطلحت الأمة على تسمية أهلها بأهل السنة والجماعة، فالسؤال هو عن نشأة مصطلح أهل السنة والجماعة، والمقصود به، وأهميته بالنسبة للواقع الذي نعيشه الآن.
أما بالنسبة لزمن نشأة مصطلح أهل السنة والجماعة فالأصل في التسمي بأهل السنة هو ما ورد من النصوص التي تأمر باتباع السنة ولزوم الجماعة، فمضمون التسمية مأثور في السنة وكلام السلف، فمن ثم نقول: إن بداية هذا المضمون هي في ذلك الوقت الذي هو ليلة القدر في إحدى ليالي شهر رمضان المعظم، في الليلة المباركة حينما نزل جبريل ﵇ يأمر النبي ﷺ قائلًا له: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق:١ - ٢]، هذه هي البداية التاريخية لمضمون هذه التسمية؛ فإن النبي ﵌ كثيرًا ما أمرنا بلزوم السنة واتباعها والحرص على العض عليها بالنواجذ، وذم الشذوذ عنها ومخالفتها.
وما أكثر النصوص التي جاءت تحث على لزوم الجماعة، فمضمون التسمية موجود منذ بداية هذه الدعوة، فالأصل في التسمي بأهل السنة والجماعة هو ما ورد من النصوص في الوحيين التي تأمر باتباع السنة ولزوم الجماعة، فهذا مأثور في السنة وفي كلام السلف.
أما ظهور التسمية مصطلحًا يدل على فئة معينة وعلى اتجاه عقدي معين فلم يظهر في عهد النبي ﵌؛ لأن المسلمين لم يحصل بينهم فرقة في عهد النبي ﵌، فكانوا جميعًا يضمهم اسم الإسلام، وإن وجد -أيضًا- فيهم مضمون اتباع السنة والجماعة بكل معانيها، لكن صدق ظهور المصطلح بظهور الفُرقة حينما ظهر أهل البدع، فتميز أهل السنة بهذا اللقب.
ولم تقطع أصول التاريخ الإسلامي بتحديد السنة التي ظهر فيها هذا المصطلح، وإن كان مضمونه هو حقيقة دين الإسلام الذي تلقاه الصحابة ﵃ عن نبيهم ﷺ.
فالسؤال عن توقيت أو بداية نشوء هذه التسمية للدلالة على اتجاه معين واعتقاد متميز إنما هو سؤال عن بداية التسمي بهذا الاسم والتميز به، وليس سؤلًا عن نشأة المسمى الذي هو المذهب وأهله، فمن الخطأ البين الخلط بين هذين الأمرين، وأهل السنة والجماعة ليسوا فرقة ولا طائفة طارئة كسائر الفرق المنشقة عنهم، وإنما هم الأصل، فمن العسير أن نحدد لهم بداية نقف عندها كما نفعل مع الفرق النارية التي يتيسر لنا بسهولة تحديد منشئها؛ لأنها شذت وفذت عن الأصل، وارتبط التميز باسم أهل السنة والجماعة بظهور البدع التي أعقبت وقوع الفرقة في الأمة، كما تنبأ بذلك الصادق المصدوق ﵌، فلما ظهرت البدع والفرقة التي كانت تحيطها هذه البدع برز هذا اللقب الشريف، ليدل على تمسك أهله بالإسلام المحض الخالص عن الشكوك، فقبل حصول الافتراق لم يحتج المسلمون إلى هذا التمييز؛ إذ ما كان المسلمون يعرفون التمييز بين السنة والشيعة والخوارج ونحو ذلك، فقبل حصول الفرقة لم يحتج المسلمون إلى أن يتميزوا باسم أهل السنة والجماعة، فقد كان الإسلام وأهل الإسلام هم الاسم والمسمى، يقول ﷿: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩].
وقال ﵎: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾ [الحج:٧٨]، يعني: وفي هذا القرآن.
ولهذا لما سئل الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى عن السنة أجاب: هي ما لا اسم له سوى السنة.
وتلا قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣].
وأقدم انشقاق حصل في صفوف الجماعة الأولى، وأول صدع في وحدة العقيدة هو حركة الخوارج المارقين الذين تنبأ بهم النبي ﵌ في قوله: (تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق)، أو كما قال ﷺ.
وكان وقوع ذلك بعد مقتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁، ووقوع فتنة صفين، ثم تلا ذلك ظهور بدع غلاة الشيعة الذين ألَّهوا عليًا ﵁، وادعوا النص عليه، وظهر السبابة الذين يسبون الشيخين ﵄، وكذلك المفضلة الذين فضلوا عليًا ﵁ عليهما، وقد تصدى لهم جميعًا أمير المؤمنين علي ﵁، وعاقبهم كلًا بحسبه.
غير أن هذا الابتداع لم يؤثر في بداية الأمر في القاعدة العريضة من المسلمين الملتزمين بالسنة وأهلها، ولم يحتج المسلمون حتى ذلك الوقت إلى التميز؛ لأنهم الأصل الذي انشق عنه المخالفون، والأصل لا يحتاج إلى ما يميزه، إنما الذي يحتاج إلى التمييز الفرع المنشق، الذي سرعان ما يشتهر ببدعته حين يتنكب السبيل.
ولذلك لما سئل إمام دار الهجرة مالك بن أنس رحمه الله تعالى عن أهل السنة أجاب: أهل السنة الذين ليس لهم لقب يعرفون به، لا جهمي ولا قدري ولا رافضي، وقال محمد بن سيرين.
والمتوفى سنة عشر ومائة من الهجرة.
لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم.
وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم، وقال عبد الله بن مصعب للرشيد حينما سأله عمن طعنوا على عثمان ﵁: يا أمير المؤمنين! طعن عليه ناس، وكان معه ناس، فأما الذين طعنوا عليه فتفرقوا عنه، وهم أنواع الشيع وأهل البدع وأنواع الخوارج، وأما الذين كانوا معه فهم أهل الجماعة اليوم.
فأهل السنة والجماعة هم الامتداد الطبيعي للمسلمين الأوائل الذين فارقهم رسول الله ﷺ وهو عنهم راض.
وأهل السنة بين الفرق الإسلامية كالإسلام بين الملل، كما أن الإسلام هو الدين الوسط بين اليهودية والنصرانية وغيرها من الملل، ويتميز أهل السنة والجماعة -أيضًا- بأنهم دائمًا الأمة أو الفرقة الوسط بين الغلاة والجفاة، وبين المُفْرِطين والمُفرِّطين، فمذهبهم لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء، وتجد في كل مسائل العقيدة التي خالف فيها أهل السنة أهل البدع تجد فريقًا يذهب إلى أقصى اليمين، وفريقًا آخر يذهب إلى أقصى اليسار، وهم الأمة الوسط العدول، فأولئك المبتدعون كانوا أحق الناس بوصف التطرف؛ لأن التطرف يعني الأخذ بأقصى الأطراف والغلو يمينًا أو يسارًا، فهؤلاء هم المتطرفون، أما الوسط فهو ما جاء به رسول الله ﷺ، وهذا ينبغي أن يكون المقياس في كل شيء، انظر إلى ما جاء به الإسلام، فهذا هو الوسط فكل ما خالف الإسلام فهو تطرف، لا كما يفعل الزنادقة والملاحدة من العلمانيين وأعداء الدين بإيحاء من أعداء الإسلام حين يصفون الملتزمين بدينهم والمعظمين لسنة نبيهم ﷺ بالتطرف، والحقيقة أنهم هم الذين تطرفوا في موالاة الشيطان وأوليائه إلى أبعد الحدود، فصاروا حربًا على الإسلام والمسلمين، فكل من شذ عن طريق رسول الله ﵊ فهو المتطرف الخبيث الهالك.
أما سنة رسول الله ﵊ فهي المحجة البيضاء النقية، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، والذي ينحرف عما جاء به رسول الله هو الهالك، وهو المتطرف المنحرف.
والمقصود أن أهل السنة متوسطون معتدلون، فمذهبهم لا مع هؤلاء الغلاة ولا مع هؤلاء الجفاة، وإنما هم مع كل منهم في ما أصابوا فيه، وفي نفس الوقت برآء من باطل كل منهم، فمذهبهم حقّ، وهذا الحق بريء من كل انحرافات الفرق الضالة.
ثم برز الذين اتبعوهم بإحسان منافحين عن السنة وكلما قرن البدعة برز له رموز وعلماء أهل السنة باسم أهل السنة والجماعة يتصدون لهؤلاء المبتدعين، فكانوا يواجهون البدعة بالدعوة إلى السنة، ويجابهون الفرقة بالدعوة إلى الالتزام بالجماعة، هكذا ظهر هذا الاسم وبرز في مقابل الانحرافات التي كانت تأخذ مجراها في التاريخ الإسلامي، خاصة أيام الاشتباك العقلي مع البدع الوافدة.
فعلى ضوء هذه المقدمة التي نقدمها لهذا السؤال -وهو: متى نشأ هذا المصطلح- لا نجد أدنى حرج في أن نرفع عقيدتنا مرددين مع أئمتنا: إن مذهب أهل السنة والجماعة مذهب قديم معروف قبل أن يخلق الله أبا حنيفة ومالكًا والشافعي وأحمد، وإنه مذهب وطريقة الصحابة ﵃.
وهذا ينبغي أن يكون راسخًا في أذهاننا، وقد ترد على هذا الكلام شبهة، إذ إ بعض الناس يقول: لماذا يشتهر الإمام أحمد بأنه إمام أهل السنة، أو ابن تيمية أو غيرهما من علماء الأمة؟! والجواب أن اشتهار بعض الأئمة بإمامة أهل السنة -كالإمام أحمد رحمه الله تعالى- لا يرجع إلى أنه هو مؤسس المذهب؛ لأن السنة كانت موجودة معروفة قبله، ولكن يرجع إلى أنه اشتهر بالدعوة إليها، والصبر على أذى من امتحنه ليفارقها، وكان الأئمة الثلاثة وغيرهم قد ماتوا قبل المحنة، فلما ظهرت فتنة القول بخلق القرآن في حياة الإمام أحمد بعد موت الأئمة قبله ﵏ كان الإمام أحمد قد علم السنة ﵀، وأظهرها، وثبت عليها، وانتصر لها، ومن ثم صار إمامًا من أئمة السنة، وعلمًا من أعلامها، لا أنه أحدث مقالة أو اتبع رأيًا.
حتى إن المأمون نفسه لما تكلم بحق الإمام أحمد ومن اتبعه قال: ونسبوا أنفسهم إلى السنة أهل الحق والجماعة ولذلك كان بعض العلماء إذا أراد أن يتميز بوضوح إلى أهل السنة قال: وأنا على ما كان عليه الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى.
ومن هذا المنطلق

28 / 3