308

شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة

شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة

الدفع إلى منى ووقته
إذا أسفر الفجر فالسنة أن يدفعوا من المشعر الحرام متوجهين إلى منى، ويكون ذلك قبل طلوع الشمس، ولهم أن يدفعوا بعد طلوع الشمس، فلو أنهم فعلوا ذلك فلا إثم عليهم ولكن يكره؛ لأن أهل الجاهلية كانوا يصنعون ذلك.
يقول عمرو بن ميمون: شهدت عمر ﵁ بجمع يصلي الصبح، ثم وقف فقال: إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس ويقولون: أشرق ثبير، وإن النبي ﷺ خالفهم فأفاض قبل أن تطلع الشمس.
وجبل ثبير هو جبل في المزدلفة على يسار الذاهب إلى منى، وكان الكفار ينتظرون طلوع الشمس على هذا الجبل، ويقولون: (أشرق ثبير كيما نغير)، فينصرفون، وكأن الإغارة بمعنى: الإسراع في العَدوْ، أو الإغارة بمعنى: النهب والمعنى: ينهبون لحوم الأضاحي واللحوم المنحورة في هذه الأيام، فكأنهم يتعجلون لأكل اللحم أو للتوجه إلى منى، فالنبي ﷺ خالفهم في ذلك، وأفاض قبل طلوع الشمس صلوات الله وسلامه عليه.
ويندفع الحاج إلى منى وعليه السكينة والوقار، فإن وجد فرجة أسرع، ويكون شعاره في دفعه التلبية والذكر خصوصًا في أماكن المشاعر، ويرفع صوته بذكر الله سبحانه والتلبية والتكبير لله ﷾.
وليجتنب الإيذاء والمزاحمة، وليمش وعليه السكينة؛ لما روى الفضل بن عباس ﵄: (أن النبي ﷺ قال للناس عشية عرفة وغداة جمع حين دفعوا: عليكم بالسكينة).
وقد كانت عادة النبي ﷺ أن يسير العنق، وفي ذلك يقول أسامة ﵁: (كان يسير العنق)، أي: يمشي بلطف وسكينة، قال: (فإذا وجد فجوة أو فرجة نص)، أي: أسرع، وهذا بحسب المكان، فإذا كان المكان واسعًا فيسرع، وإذا كان المكان ضيقًا فيمشي بلطف وتمهل ﵊.
قال: (فإذا بلغ وادي محسر فحرك قليلًا)، ووادي محسر هو الوادي الذي حسر فيه الفيل وأصحابه وأهلكهم الله ﷿ هنالك، ولذا فإن السنة في أماكن العذاب أن يسرع الإنسان فيها.
ويستحب في هذا المكان أن يحرك الحاج الدابة قدر رمية حجر، بمعنى: لو أمسكنا بحجر وخذفنا به فوصل إلى مكان، فتكون المسافة من مكان الرمي إلى مكان وصول الحجر هي مسافة بقدر رمية حجر.
ووادي محسر ليس من مزدلفة ولا من منى، بل هو واد بين الاثنين، ويستحب الإسراع فيه كما ذكرنا.

20 / 4