359

شرح الأصول الخمسة

شرح الأصول الخمسة

Bölgeler
İran
İmparatorluklar & Dönemler
Irak'taki Halifeler, 132-656 / 749-1258

علوا كبيرا.

وبعد ، فلو كان الله تعالى متكلما لذاته ، لكان يجب أن يكون قائلا فيما لم يزل : ( إنا أرسلنا نوحا إلى قومه ) [نوح : 1] وإن لم يكن قد أرسل ، وأهلك عادا وثمودا وإن لم يكن قد أهلك.

فإن قيل : ما أنكرتم أن المواد بقوله تعالى : ( إنا أرسلنا نوحا إلى قومه ) أي سنرسل ، وأنه ( أهلك عادا ) [النجم : 50] أي سنهلك عادا ، جريا على طريقة أهل اللغة ، فإنهم يذكرون لفظ الماضي ويريدون به الاستقبال نحو قوله تعالى : ( ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار ) [الأعراف : 44]. وجوابنا عن ذلك ، أن الإرادة والكراهة إنما يؤثران في صفات الأفعال ، فأما في صفات الذات فلا ، وعندكم أن كونه متكلما من صفات الذات ، فكيف يصير كونه مخبرا عما مضى كونه مخبرا عما يستقبل بالإرادة؟ وبعد ، فلو كان المراد بقوله تعالى : ( إنا أرسلنا نوحا ) أي سنرسل ، لكان يجب أن لا تتغير فائدته الآن ، حتى يكون غرضه ، وأنه أرسل نوحا وأهلك عادا ، أنه سيرسله ويهلكهم ، وذلك يقتضي كونه كاذبا تعالى الله عن ذلك.

فإن قيل : ألستم تقولون : إن العلم بأن الشيء سيوجد علم بوجوده متى وجد ، فهلا جاز أن يكون الإخبار بأن الشيء سيكون ، خبرا عن كونه إذا كان. وجوابنا أنه لا يصح قياس أحدهما على الآخر ، لأن الدلالة قد دلت على أن العلم بأن الشيء سيوجد ، علم بوجوده ، متى وجد ، وأن المعلوم يتغير لا العلم ، ولم يقم مثل تلك الدلالة هاهنا ، بل قد علمنا أن الخبر الموضوع للدلالة على الماضي غير الخبر الموضوع للدلالة على الاستقبال ، كما أن صيغة الخبر في الجملة ، مخالفة لصيغة الأمر ، فافترقا.

ومن خالف في هذا الباب فقد تعلق بأن قال : لو لم يكن القديم تعالى متكلما فيما لم يزل ، لكان يجب أن يكون أخرس أو ساكتا ، كما في الشاهد فإن أحدنا إذا لم يكن متكلما يجب أن يكون على أحد هذين الوجهين.

وربما يوردون هذا على وجه آخر ، فيقولون : قد ثبت أنه تعالى حي ، فيجب أن لا يخرج عن كونه متكلما إلا إلى ضد هذه الصفة ، وضد الكلام هو الخرس والسكوت ، فيجب أن يكون أخرس أو ساكتا ، وفي علمنا باستحالة أن يكون الله تعالى موصوفا بالخرس والسكوت دليل على أنه لا بد من أن يكون متكلما لذاته على ما

Sayfa 375