Sharh al-Jami' al-Sahih
شرح الجامع الصحيح
قوله: «ويروى أنه شرب من زمزم قائما»: الراوي لذلك هو ابن عباس نفسه ،كما صرحت به رواية الشيخين وأحمد، وفي الصحيحين عن ابن عباس: ”أتيت النبيء صلى الله عليه وسلم بدلو من زمزم فشرب وهو قائم“ وفي البخاري وأحمد: ”أن عليا شرب في رحبة الكوفةوهو قائم، ثم قال إن ناسا يكرهون الشرب قائما، وإن رسول الله صنع مثل ما صنعت“، وفي الموطأ عن مالك: ”أنه بلغه أن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعثمان ابن عفان كانوا يشربون قياما“، وفي الشرح: وقال جبير بن مطعم رأيت أبا بكر الصديق يشرب قائما. وروى مالك عن ابن شهاب أن عائشة أم المؤمنين وسعد بن أبي وقاص كانا لا يريان بشرب الإنسان وهو قائم بأسا، وروى أيضا مالك عن جعفر القارئ أنه قال: رأيت عبد الله بن عمر يشرب قائما، وروى مالك عن عبد الله بن الزبير عن ابنه أنه كان يشرب قائما، قال ابن عباس: المرجع فيه إلى الكتاب الله تعالى، وهو قوله: {كلوا واشربوا} [البقرة:60]، فهذه الآية تبيح الأكل والشرب على أي حال، إلا في موضع خصه النهي عن النبيء صلى الله عليه وسلم، وهذا الكلام من ابن عباس رضي الله عنه أشارة إلى تساقط الحديثين: حديثي النهي والفعل بالتعارض، إن لم يكن الجمع بحمل النهي على موضع مخصوص فتبقى الإباحة المذكورة في قوله تعالى: {كلوا واشربوا} فإنه تعالى قد أباح ذلك على الإطلاق مالم يبلغ حد الإسراف، فالإباحة متحققة والنهي معارض بالفعل، ونسب بعضهم القول بالجواز إلى الجمهور وإلى الخلفاء الأربعة تمسكا بشربه من زمزم قائما، قالوا وكأنهم رأوه متأخرا عن النهي فأنه في حجة الوداع، فهو ناسخ وحقق ذلك خلفائه بخلاف النهي، قالوا: ويبعد خفاؤه عليهم مع شدة ملازمتهم له وتشددهم في الدين، وهذا وإن لم يصلح دليلا للنسخ يصلح لترجيح أحد الحديثين، ولابن حجر:
Sayfa 163