Sharh al-Jami' al-Sahih
شرح الجامع الصحيح
وقوله: «مصوه مصا»: أمر من مصه مصا من باب قتل، ومن باب تعب لغة، ومنهم من يقتصر عليها وأمتصه بمعناه كذا في المصباح، وفي الحديث النهي عن عب الماء، <2/122> للإشفاق على الأمة من الداء المعروف بضيق النفس، والأمر بمصه للإرشاد إلى المصلحة الدينية في التأدب بآداب الشرع والدنيوية في دفع البلاء عن النفس، وكان صلى الله عليه وسلم يتنفس في الشراب ثلاثا ويقول: ”إنه أروى وأمرى وأبرى“، رواه مسلم. والحكمة في مص الماء تردده على المعدة الملتهبة دفعات فتسكن الدفعة الثانية ما عجزت الأولى عن تسكينه والثالثة ما عجزت عنه الثانية، وأيضا فإنه أسلم لحرارة المعدة وأبقى عليها من أن يهجم عليها البارد وهلة واحدة، فإنه أسلم عاقبة وآمن غائلة من تناول جميع ما يروي دفعة واحدة، فإنه يخاف منه أن يطفيء الحرارة الغريزية بشدة برده وكثرة كميته، أو يضعفها فيؤدي إلى فساد المعدة والكبد، أو إلى أمراض ردية خصوصا في سكان البلاد الحارة في الأزمنة الحارة، فإن الشرب فيها وهلة واحدة مخوف عليهم جدا، وهذا هو السر في النهي عن العب، والله أعلم.
ما جاء في أكل الحيس
قوله: «قدمنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم حيسا»: الحديث تقدم ذكره في ما يجب منه الوضوء وتمامه: ”حيسا ملتتا بسمن فأكل منه ولم يتوضأ“، والغرض من ذكره هنا الإشارة إلى جواز أكل الحيس المبلول بالسمن. قال الربيع: الحيس: السويق الملتت بالسمن، وقال غيره: الحيس تمر ينزع نواه ويدق مع إقط ويعجنان بالسمن، ثم يدلك باليد حتى يبقى كالثريد، وربما جعل معه سويق، وهو مصدر في الأصل، يقال: حاس الرجل حيسا من باب باع إذا اتخذ ذلك، ويستفاد من الحديث جواز أكل الطيبات من الرزق لأن الحيس كان من أطيب الموجود عند العرب، والله أعلم.
Sayfa 149