483
مكانة أهل البيت عند أهل السنة والجماعة
قوله: (ويحبون أهل بيت رسول الله ﷺ، ويتولونهم، ويحفظون فيهم وصية رسول الله ﷺ حيث قال يوم غدير خم: (أذكركم الله في أهل بيتي» .
أهل بيته هم الذين حرمت عليهم الصدقة، وهم آل عقيل، وآل العباس، وآل علي، وآل الحارث بن عبد المطلب، وكذلك أزواجه صلوات الله وسلامه عليه من أهل بيته، وكذلك بناته، وذريتهم إلى يوم القيامة.
وأهل السنة يحبونهم بمحبة رسول الله ﷺ، ويحفظون فيهم وصيته، ويتولون المؤمنين منهم، أما الكافرون فليسوا له بأولياء كما نص هو ﷺ على ذلك، وقال: (إن آل فلان ليسوا لي بأولياء، إنما وليي الله جل وعلا والمؤمنون) أي: الذين يتبعون سنته ويقتفون أثره، وآل فلان الذين ذكرهم هم من أقاربه صلوات الله وسلامه عليه.
ومعلوم أن الله جل وعلا أوجب الإيمان على كل عبد، وإذا لم يؤمن فليس بينه وبين الله صلة، حتى ولو كان ابن نبي، فإذا كان كافرًا فهو من أهل النار، والله جل وعلا يقول لنوح ﵇ في ولده: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود:٤٦] فولده الذي هو من صلبه ليس من أهله، وأخبر جل وعلا أن امرأة نوح وامرأة لوط في النار، وأن نوحًا ولوطًا لم يغنيا عنهما من الله شيئًا، فالصلة التي بين العباد وبين الله جل وعلا هي الإيمان، ومتابعة الرسول ﷺ، فأهل بيته الذين يُتولون هم المؤمنون الذين آمنوا بالله وبرسوله ﷺ، ويجب أن يُحبوا بمحبة الرسول ﷺ.
وكذلك يجب أن يُعرف قرابتهم، ويُعرف لهم قدرهم، وتحفظ فيهم وصية الرسول ﷺ بأن يحسن إلى محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم، ويميزوا عن الناس بقرابة رسول الله ﷺ في الحب والتولي، كذلك أزواجه ﷺ، ويدل على هذا الحديث الذي ذكره هنا، وهذا الحديث ثابت في صحيح مسلم، وغديرخم: موضع قرب الجحفة، وخم: غيضة أشجار مجتمعة أضيف الغدير إليها، والغدير: هو الماء الذي يتجمع في منخفض في الوادي من السيل، وهذا القول كان بعد رجوعه من حجة الوداع، وكان في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة، فإنه خطب الصحابة رضوان الله عليهم، وقال لهم: (إنه يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وإني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله -فحث على كتاب الله وأمر بالالتزام به- ثم قال: وأهل بيتي، أذكركم الله أهل بيتي، أذكركم الله أهل بيتي)، يعني: أنه أوصى بأن يُحفظ لهم حقهم.
وفي رواية ثبتت في الصحيح أنه ﷺ قال في هذا اليوم: (إن عبدًا خيره الله جل وعلا بين ما عنده وبين أن يعطيه من الدنيا ما يريد فاختار ما عند الله) فبكى أبو بكر، فعجب الصحابة لبكائه وقالوا: ما لهذا الشيخ؟ الرسول ﷺ يخبر عن عبد خيره الله جل وعلا بين ما عنده أو أن يعطيه من الدنيا ما يريد فاختار ما عنده فصار يبكي، يقول: فتبين أن العبد هو رسول الله ﷺ، وتبين أن أبا بكر هو أعلم الصحابة برسول الله ﷺ، فهو يخبر عن قرب أجله، وهذا معنى قوله: (يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب) يعني: ملك الموت الذي يقبض الروح، ثم بقي بعد ذلك قرابة ثلاثة أشهر وتوفاه الله جل وعلا.
قوله: (وقال للعباس عمه وقد اشتكى إليه أن بعض قريش يجفو بني هاشم)، والجفاء هو: إظهار الخشونة وعدم التلطف، وعدم إظهار المحبة والمودة، فغضب رسول الله ﷺ وقال: (والله! لا يؤمنون حتى يحبوكم لله ولقرابتي)، أي: لمحبة الرسول ﷺ.
وعم الرجل هو صنو أبيه، ولهذا كان عمر ﵁ يقول له: (والله! لإسلامك أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم؛ وذلك أن إسلامك أحب إلى رسول ﷺ من إسلام الخطاب) يعني: والده.
فمحبتهم من الإيمان، لأنها من محبة ما يحبه الرسول ﷺ؛ ولأن الله جل وعلا اصطفى بني هاشم من قريش، كما أخبر الرسول ﷺ، والاصطفاء هو: الاختيار، قال ﷺ: (إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة، واصطفى من كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم)، فهو صفوة بعد صفوة بعد صفوة، ولكن أهل بيته وقرابته لهم حق القرابة، وحق المحبة، وحق التولي زيادة على تولي المسلمين لقرابة رسول الله ﷺ.

29 / 10