475
الكلام على الخلفاء الراشدين وخلافتهم وبعض من شهد له الرسول بالجنة
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ رحمة واسعة: [وبأنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة، كما أخبر به النبي ﷺ، بل لقد رضي الله عنهم ورضوا عنه، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة.
ويشهدون بالجنة لمن شهد له رسول الله ﷺ كالعشرة، وثابت بن قيس بن شماس وغيرهم من الصحابة.
ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وغيره من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، ويثلثون بـ عثمان، ويربعون بـ علي ﵃ كما دلت عليه الآثار، وكما أجمع الصحابة على تقديم عثمان في البيعة.
مع أن بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في عثمان وعلي ﵄ -بعد اتفاقهما على تقديم أبي بكر وعمر - أيهما أفضل؟ فقدم قوم عثمان وسكتوا، وربعوا بـ علي، وقدم قوم عليًا، وقوم توقفوا.
لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان ثم علي، وإن كانت هذه المسألة -مسألة عثمان وعلي - ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها عند جمهور أهل السنة، لكن التي ضللوا فيها مسألة الخلافة؛ وذلك لأنهم يؤمنون أن الخليفة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء فهو أضل من حمار أهله.
ويحبون أهل بيت رسول الله ﷺ، ويتولونهم، ويحفظون فيهم وصية رسول الله ﷺ حيث قال يوم غدير خم: (أذكركم الله في أهل بيتي) وقال أيضًا للعباس عمه وقد اشتكى إليه أن بعض قريش يجفو بني هاشم، فقال: (والذي نفسي بيده لا يؤمنون حتى يحبوكم لله ولقرابتي)، وقال ﷺ: (إن الله اصطفى بني إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم) .
ويتولون أزواج النبي ﷺ أمهات المؤمنين، ويؤمنون بأنهن أزواجه في الآخرة، خصوصًا خديجة ﵂ أم أكثر أولاده، وأول من آمن به وعاضده على أمره، وكان لها منه المنزلة العالية، والصديقة بنت الصديق ﵂ التي قال فيها النبي ﷺ: (فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام) .
ويتبرءون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، ومن طريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل] سبق أن من أصول أهل السنة سلامة ألسنتهم وقلوبهم من الطعن في صحابة الرسول ﷺ، ويعتقدون أنهم أفضل الأمة؛ لأنهم صحبوا رسول الله ﷺ وتلقوا الإيمان والعلم عنه ﷺ، وتربوا على يديه صلوات الله وسلامه عليه، فكانت لهم الميزة عن غيرهم لمناصرتهم الرسول ﷺ ومصاحبتهم له، وتلقيهم عنه.
وهذا مما خص الله جل وعلا به أهل السنة، وهذا ليس عن رأي رأوه أو مذهب تمذهبوا به من عند أنفسهم، أو على مستوى عقول أو أقيسة، وإنما ذلك اتباع لكتاب الله جل وعلا وسنة رسوله ﷺ، وقد قال الله جل وعلا في وصف المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠] يعني أن الذين جاءوا بعد الصحابة يجب أن تكون صفتهم هذه: أنهم يستغفرون للصحابة ويتولونهم، ويسألون الله جل وعلا ألا يكون في قلوبهم غل لهم وحقد عليهم؛ لأن هذه صفة غير المؤمنين، بل صفة الذين يكونون خارجين من الإيمان، كما قال الله جل وعلا: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:٢٩]، ولهذا قال الإمام مالك وغيره من السلف: كل من غاظه شأن الصحابة فهو ليس من المؤمنين.
وكذلك النصوص التي جاءت في كتاب الله في الثناء عليهم بقوله جل وعلا: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠] إلى آخر الآية، وقوله جل وعلا: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩] إلى آخر الآية، في آيات كثيرة.
وكذلك في أحاديث رسول الله ﷺ، فإنه كان يذكر فضلهم ويحذر من الكلام فيهم، بل صار في آخر حياته صلوات الله وسلامه عليه يكرر ذلك، ويقول: (الله الله في أصحابي! لا تتخذوهم غرضًا، فإن من أحبهم فإنما أحبهم بحبي، ومن أبغضهم فإنما أبغضهم ببغضي)، وغير ذلك مما يذكره ﷺ.
كذلك مما ينوه بفضلهم قوله ﷺ: (خير القرون الذين بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) فجعل خير الناس وخير الأمة هم صحابته ﷺ.
ولهذا كل من تكلم فيهم بمسبة أو لعن أو تحقير لشأنهم فإنه يكون خارجًا عن سبيل المؤمنين، والله يوليه ما تولى، ومن تولى غير سبيل المؤمنين فقد توعده الله جل وعلا بأن يصليه جهنم.

29 / 2