888

Qurrat Ain Al-Muhtaj fi Sharh Muqaddimat Sahih Muslim ibn Al-Hajjaj

قرة عين المحتاج في شرح مقدمة صحيح مسلم بن الحجاج

Yayıncı

دار ابن الجوزي

Baskı

الأولى

Yayın Yılı

١٤٢٤ هـ

لغير ذلك الحديث بقصد الإيهام إلا مُدَلِّسٌ يوهم أنه سمع ما لم يسمع أَنَفَةً من النزول، أو لغير ذلك من الأغراض التي لا يخلو أكثرها من كراهة، فانتهض ذلك مُرَجِّحًا لقبول المعنعن عند ثبوت اللقاء (١).
لا يقال: إن غير المدلس قد يقول: "عن" في محل الإرسال، ولا يُعدّ بذلك مدلسا؛ لأنه قد عُلم من مذهبه أنه لا يدلس.
لأنا نقول في الجواب: إن غير المدلس لا يفعله إلا فيما عُلِم أنه لم يسمعه لتحقق عدم المعاصرة، كما يقول التابعي أو تابعه أو من بعدهما: "روينا عن رسول الله ﷺ كذا"، فهذا معلوم أنه بلاغ، فلا يوهم ذلك سماعا، فعَدَل عن العرف إلى عام اللغة، مكتفيا بقرينة عدم اللقاء والسماع، كما عَدَل هناك إلى خاص الاصطلاح، مكتفيا بقرينة معرفة السماع.
[فإن قيل]: قد وُجِد الإرسال من الصحابة ﵃، وممن بعدهم، ممن يُعلَم أو يُظَنّ أنه لا يدلس عمن لقيه، وسمع منه.
[قلنا]: أما حال الصحابة ﵃ في ذلك الذين وجبت محاشاتهم عن قصد التدليس، فتحتمل وجوها:
منها: أن يكونوا فعلوا ذلك اعتمادا على عدالة جميعهم، فالمخوف في الإرسال قد أُمِنَ، يدل على ذلك ما قاله أنس بن مالك ﵁، ذكر أبو بكر بن أبي خيثمة في "تاريخه" قال: نا موسى بن إسماعيل وهدبة قالا: نا حماد بن سلمة، عن حميد: أن أنسا ﵁ حدثهم بحديث عن رسول الله ﷺ، فقال له رجل: أنت سمعته من رسول الله ﷺ، فغَضِبَ غضبًا شديدًا، وقال: والله ما كل ما نُحدّثكم سمعنا من رسول الله ﷺ، ولكن كان يُحدِّث بعضنا بعضًا، ولا يَتّهِم بعضنا بعضًا.
قال ابن رُشيد: ولذلك قَبِلَ جمهور المحدثين، بل جميع المتقدمين، وإنما خالف في ذلك بعض من تأصّل من المحدثين المتأخرين مراسيلَ الصحابة ﵃، وعلى القبول محققو الفقهاء والأصلين.
ومنها: أن يكونوا أَتَوْا بلفظ: "قال"، أو "عن"، ولفظ "قال" أظهر؛ إذ هو مَهْيَع الكلام (٢) قبل أن يَغلِب العرف في استعمالهما للاتصال.

(١) قد عرفت أن حوار مسلم مع من يشترط اللقاء والسماع، لا اللقاء فقط، فتنبّه.
(٢) "المهيع" بفتح الميم، وسكون الهاء، وفتح الياء التحتانيّة بوزن مَقْعَد: البَيّن، يقال: طريق مهيعٌ: أي بيّنٌ. أفاده في "القاموس".

2 / 359