Qurrat Ain Al-Muhtaj fi Sharh Muqaddimat Sahih Muslim ibn Al-Hajjaj
قرة عين المحتاج في شرح مقدمة صحيح مسلم بن الحجاج
Yayıncı
دار ابن الجوزي
Baskı
الأولى
Yayın Yılı
١٤٢٤ هـ
[تنبيه]: الظاهر أن هذه القصّة واقعة أخرى غير القصة المذكورة في الرواية الماضية. ويحتمل أن تتّحد القصّتان، فيكون في الرواية الأولى اختصار، وهو أن ابن عباس ﵄ ظنّ أن غرضه مجرّد إسماعه الحديث، فلما قال له: "ما لي لا أراك تسمع الخ" عرف أن مقصوده تحقيق أحاديثه بعرضها عليه، فاعتذر إليه بأنه إنما لم يستمع لكون الناس سلكوا في الحديث مسلكًا غير مرضيّ بحملهم الصحيح والسقيم، ثم قال له: أما إذا أردت التحقيق، فاقرأها عليّ حتى أستمع، فجعل يحدّثه، فقال له: عُد لحديث كذا ولحديث كذا. لكن الاحتمال الأول هو ظاهر سياق الروايتين، فهو أولى. والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ (إِنَّا كُنَّا مَرَّةً) أي مرّةً من المرّات، ووقتًا من الأوقات، وذلك قبل أن يفشو الكذب (إِذَا سَمِعْنَا رَجُلًا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ابْتَدَرَتْهُ) أي تسابقته (أَبْصَارُنَا) بفتح الهمزة: جمع بصر (وَأَصْغَيْنَا إِلَيْهِ) أي مِلْنا إليه. قال في "المصباح": صَغَيتُ إِلى كذا أصْغَى -بفتحتين-: مِلْتُ، وصَغَتِ النُّجوم: مالت للغروب، وصَغِىَ يَصْغَى صَغًى، من باب تَعِبَ، وصُغِيّا على فُعُول، وصغَوْتُ صُغُوًّا، من باب قَعَدَ لُغة أيضًا، وبالأولى جاء القرآن في قوله: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، وأصغيت الإناء بالألف: أملته، وأصغيتُ سمعي ورأسي كذلك. انتهى (١). (بِآذَانِنَا) بالمدّ: جمع أذُن. والمراد أنهم يقبلون ذلك الحديث، ويأخذونه عن ذلك الرجل؛ لظهور صدقه؛ لأن ذلك العصر أهله أهل صدق وورع، فلا يُخشى أن يحدّثوا بما لا أصل له (فَلَمَّا رَكِبَ) بكسر الكاف (النَّاسُ الصَّعْبَ) بفتح، فسكون (وَالذَّلُولَ) بفتح الذال المعجمة، وقد تقدّم معناهما قبل حديث (لم نَأْخُذْ مِنَ النَّاسِ إِلَّا مَا نَعْرِفُ) "ما" موصول اسميّ مفعول "نأخذ"، فالاستثناء مفرّغ: أي لم نأخذ من حديث الناس إلا الحديث الذي نعرف ثقة نَقَلَته، وصحّة مَخْرجه؛ لأن ما ليس كذلك يُخشَى أن يكون كذبًا.
قال القرطبيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: هذا الذي قاله ابن عبّاس ﵄ يشهد بصحّة ما تأوّلنا عليه قول ابن سيرين -يعني الآتي- فإن ابن عبّاس كان في أول مرّة يُحدّث عن الصحابة، ويأخذ عنهم؛ لأن سماعه من رسول الله ﷺ كان قليلًا؛ لصغر سنّه، فكان حاله مع الصحابة كما قال، فلمّا تلاحق التابعون، وحدّثوا، وظهر له ما يُوجب الريبة لم يأخذ عنهم، كما فعل مع بُشير العدويّ. انتهى كلام القرطبيّ (٢).
[مسألة]: تتعلّق بآثار ابن عبّاس ﵄ المتقدّمة:
(١) "المصباح المنير" ١/ ٣٤٢.
(٢) "المفهم" ١/ ١٢٤.
2 / 34