فبقي فيها أيّامًا إلى أن كتبتها عنه، وهي هذه، وكفى بها دليلًا على ما اختبر وعلم:
أودعك الرحمن في غربتك ... مرتقبًا رحماه في أوبتك
وما اختياري كان طوع النوى ... لكنّني أجري على بغيتك
فلا تطل حبل النوى إنّني ... والله أشتاق إلى طلعتك
من كان مفتونًا بأبنائه ... فإنّني أمعنت في خبرتك
فاختصر التوديع أخذًا، فما ... لي ناظرٌ يقوى على فرقتك
واجعل وصاتي نصب عينٍ ولا ... تبرح مدى الأيام من فكرتك
خلاصة العمر التي حنّكت ... في ساعة زفّت إلى فطنتك
فللتّجاريب أمورٌ إذا ... طالعتها تشحذ من غفلتك
فلا تنم عن وعيها ساعةً ... فإنّها عونّ إلى يقظتك
وكلّ ما كابدته في النّوى ... إيّاك أن يكسر من همّتك
فليس يدرى أصل ذي غربةٍ ... وإنّما تعرف من شيمتك
وكلّ ما يفضي لعذرٍ فلا ... تجعله في الغربة من إربتك
ولا تجالس من فشا جهله ... واقصد لمن يرغب في صنعتك
ولا تجادل أبدًا حاسدًا ... فإنّه أدعى إلى هيبتك
وامش الهوينا مظهرًا عفّةً ... وابغ رضى الأعين عن هيئتك
أفش التحيّات إلى أهلها ... ونبّه الناس على رتبتك
وانطق بحيث العيّ مستقبحٌ ... واصمت بحيث الخير في سكتتك
ولا تزل مجتمعًا طالبًا ... من دهرك الفرصة في وثبتك
وكلّما أبصرتها أمكنت ... ثب واثقًا بالله في مكنتك
ولج على رزقك من بابه ... واقصد له ما عشت في بكرتك