685
لها رُضابٌ ولها ظَلٌ ... كالشُّهدِ مَمْزوجًا بإسْفَنْطِ
رأيتُها في رَوْضةٍ يَوْمًا ... تخْتالُ بين الأثْلِ والخَمْطِ
فقلتُ ناشَدْتُك إلاَّ ما ... عَجِلْتِ لي من وَصْلهِ قِسْطِي
فوجَّهتْ وَجْهَ الرِّضَا نَحْوي ... وأعْرَضتْ عن وِجهةِ السُّخْطِ
وقوله:
ما اصْطَفى قلبيَ إلاَّ مُصْطَفى ... هُوَ حَسْبي من حبيبٍ وكَفَى
أسْعَدَ اللهُ تعالى طالِعًا ... حَلَّ فيه وأراه الشَّرَفَا
ما عليه لو سَقانِي رِيقَهُ ... إنه الشُّهْدُ وفي الشُّهْدِ شِفَا
إنْ وَفَى الدهرُ به في ليلةٍ ... فهْو عندي دائمًا أهلُ الْوَفَا
وكتب إلى صديقٍ له:
قُلْ للذي أنا ثابتٌ في حُبِّه ... وهَواهُ وهْو مُبَدِّلٌ مِيثَاقِي
إنِّي لأرْضَى أن تُنَوِّه بي ولو ... في آخِرِ القِرْطاسِ بالإلْحاقِ
وله في الدخان:
هل آيةٌ جاءتْ بتحْريمِهِ ... أو هل حديثٌ نَبَويٌّ وَرَدْ
فقُم إلى الغابَةِ وانْهَضْ لها ... لا يقْرَبُ الْغابةَ إلاَّ أسَدْ
عبد الباقي الإسحاقي شاعرٌ تجاوز في الرقة الحد، فكأنما تكون من سحر الجفن ورقة الخد.
فشعره عليه رونقٌ باهرٌ من الحسن، وهو أفعل في القلوب من التفتير في الجفون الوسن.
باختراع المعاني ذو صبابة، يرمي الغرض البعيد عن قوس الإصابة.
وقد جاء في هذه الخطة أمةً وحده، فلم يجهل أحدٌ من أهل العصر رسمه وحده.
فابن نباتة لم ينل حلاوة معانيه، وابن سكرة عزبت عنه عذوبة مبانيه.
وقد أوردت له ما تتعاير على رونقه دراري البحور، وتتمايل له طربًا أغصان القدود المثمرة بثمار النحور.
فمن ذلك قوله:
تمشَّتْ لنا تُخْجِلُ الكَوْكَبَا ... فناديتُها مَرْحَبًا مَرْحَبَا
غزالةُ إنْسٍ لها طَلْعةٌ ... إذا خالَها الصَّبُّ حَقًّا صَبَا
أدارتْ بحَضْرتِنا قَهوةً ... وطافتْ بكأسِ الطِّلاَ مُذْهَبَا
رَنَتْ ورَمتْنِي بألْحاظِها ... وقد أذْكرتْنِي عهدَ الصِّبَا
فلو أنَّ نَظْرتها كالظِّبَا ... لَهَانَ ولكنْ كحَدِّ الظُّبَا
وغَنَّتْ لنا فطرِبْنَا لها ... فيا حُسْنَ ذاك الذي أطْرَبَا
غَزالِيَّةٌ آنَسَتْ صَبَّها ... وأنْسَتْ مَحبَّتُها زَيْنَبَا
فَهِمْنَا فَهِمْنا غَرامًا بها ... وعن حالتِي حُبُّها أعْرَبَا
وصبَّرتُ قلبًا غَدَا هائمًا ... وقد كاد في الحُبِّ أن يَذْهَبَا
ففيه مَديحِيَ عَذْبًا يُرَى ... وفي غيرِها المدحُ لن يَعْذُبَا
سأجعلُ في وَصْفِها نُبْذَةَ ... وأركبُ في حُبِّها أشْهَبَا
مدحتُ فقَصَّر قلبي المديحَ ... وكان مُرادِيَ أسْتَوْعِبَا
وإنِّيَ في وَصلِها سيِّدي ... تَرانِيَ بين الورَى أشْعَبَا
فباللهِ يا نَسْمةَ الْبانِ إنْ ... حَفَفْتِ على حَيِّ ذاك الرُّبى
وجُزْتِ رِياضًا بها غَادتِي ... فهاتِ لنا عن حُلاهَا نَبَا
أيا عاذِلِي في هَواها اتَّئِدْ ... حديثُك عنديَ مثلُ الْهَبَا
سقى اللهُ رَوْضًا به سَادتِي ... من الوَبْلِ غَيْثًا به صَيِّبَا
لأنِّيَ باقٍ على عهدِهمْ ... أرَى حُبَّهم مَذْهَبًا مُذْهَبَا
وقوله:
أذْكَرْتِ أيَّتُها الحمامةُ غِيدَا ... ومَعاهِدًا سلَفتْ لنا وعُهودَا
وصَدَحْتِ فوق أراكةٍ فصَدَعْتِ قلْ ... بَ شَجٍ وحين صعَدْتِ ذا الأُمْلودَا
ذكَّرْتِ أشْجانًا لنا ومَعاهِدًا ... وصَفًا تقضَّى طارِفًا وتَلِيدَا
هذا على أن الغرامَ إذا زكَا ... ظَلَّ الشَّجِي يتوقَّعُ التَّغْرِيدَا

2 / 185