496

Mukhtasar Tefsir-i İbn Kesir

مختصر تفسير ابن كثير

Yayıncı

دار القرآن الكريم

Baskı

السابعة

Yayın Yılı

1402 AH

Yayın Yeri

بيروت

وقوله: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ أي يريدون بذلك العمل وجه الله الكريم وهم مُخْلِصُونَ فِيمَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْعِبَادَاتِ وَالطَّاعَاتِ، وَقَوْلُهُ: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ﴾ كقول نُوحٌ ﵇ فِي جَوَابِ الَّذِينَ قَالُوا: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ واتبعك الأرذلون﴾، ﴿وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ على رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ أَيْ إِنَّمَا حِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ ﷿، وَلَيْسَ عَلَيَّ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِمْ مِنْ حِسَابِي مِنْ شَيْءٍ وَقَوْلُهُ: ﴿فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أَيْ إِنْ فعلت هذا والحالة هذه.
روى ابن جرير عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: مَرَّ الْمَلَأُ مِنْ قُرَيْشٍ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدَهُ صُهَيْبٌ وَبِلَالٌ وَعَمَّارٌ وَخَبَّابٌ وَغَيْرُهُمْ مِنْ ضُعَفَاءِ الْمُسْلِمِينَ فَقَالُوا يَا مُحَمَّدُ: أَرَضِيتَ بِهَؤُلَاءِ مِنْ قَوْمِكَ؟ أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ منَّ اللَّهُ عَلَيْهِم من بيننا؟ أنحن نصير تبعًا لهؤلاء؟ اطردهم فلعلك إن طردتهم نَتَّبِعَكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾، ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ خَبَّابٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ قَالَ: جَاءَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ وَعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ فَوَجَدُوا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ صُهَيْبٍ وَبِلَالٍ وَعَمَّارٍ وَخَبَّابٍ قَاعِدًا فِي نَاسٍ مِنَ الضُّعَفَاءِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَمَّا رَأَوْهُمْ حَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ حقّروهم في نفر من أصحابه فَأَتَوْهُ فَخَلَوْا بِهِ، وَقَالُوا: إِنَّا نُرِيدُ أَنْ تَجْعَلَ لَنَا مِنْكَ مَجْلِسًا تَعْرِفُ لَنَا بِهِ الْعَرَبُ فَضْلَنَا: فَإِنَّ وُفُودَ الْعَرَبِ تَأْتِيكَ فَنَسْتَحْيِي أَنْ تَرَانَا الْعَرَبُ مَعَ هَذِهِ الْأَعْبُدِ، فَإِذَا نَحْنُ جِئْنَاكَ فَأَقِمْهُمْ عَنَّا، فَإِذَا نَحْنُ فَرَغْنَا فَاقْعُدْ مَعَهُمْ إِنْ شِئْتَ. قَالَ: «نَعَمْ»، قَالُوا: فاكتب لنا عليك كتابًا، قال: فدعا بصحيفة وَدَعَا عَلِيًّا لِيَكْتُبَ وَنَحْنُ قُعُودٌ فِي نَاحِيَةٍ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَقَالَ: ﴿وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ ربهم﴾ الآية، فَرَمَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بالصحيفة من يده، ثم دعانا فأتيناه (أخرجه ابن أبي حاتم ورواه ابن جرير أيضًا من حدث أسباط بن نصر) وقال سَعْدٌ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي سِتَّةٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، مِنْهُمُ ابن مسعود قال: كنا نستبق إلى رسول الله ﷺ وندنو منه، فقالت قريش: تدني هَؤُلَاءِ دُونَنَا، فَنَزَلَتْ: ﴿وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ (رواه الحاكم في المستدرك وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ في صحيحة) وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ أَيِ ابْتَلَيْنَا وَاخْتَبَرْنَا، وَامْتَحَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ﴿لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ منَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ﴾، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ غَالِبَ مَنِ اتبعه في أول بعثته ضُعَفَاءُ النَّاسِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ، وَلَمْ يَتْبَعْهُ مِنَ الْأَشْرَافِ إِلاَّ قَلِيلٌ، كَمَا قال نُوحٍ لِنُوحٍ: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرأي﴾ الآية، وكما سأل هرقل ملك الروم أبا سُفْيَانَ حِينَ سَأَلَهُ عَنْ تِلْكَ الْمَسَائِلَ فَقَالَ له فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقال: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ، فَقَالَ: هُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ، وَالْغَرَضُ أَنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ كَانُوا يَسْخَرُونَ بِمَنْ آمَنَ مِنْ ضُعَفَائِهِمْ وَيُعَذِّبُونَ مَنْ يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ، وَكَانُوا يَقُولُونَ: أَهَؤُلَاءِ منَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ؟ أَيْ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَهْدِيَ هَؤُلَاءِ إِلَى الْخَيْرِ لَوْ كَانَ مَا صَارُوا إِلَيْهِ خيرًا ويدعنا كقولهم: ﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ،﴾ وكقوله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي جَوَابِ ذَلِكَ: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا ورئيا﴾، وَقَالَ فِي جَوَابِهِمْ حِينَ قَالُوا:

1 / 581