Mukhtasar Tefsir-i İbn Kesir
مختصر تفسير ابن كثير
Yayıncı
دار القرآن الكريم
Baskı
السابعة
Yayın Yılı
1402 AH
Yayın Yeri
بيروت
•
Bölgeler
Suriye
«المسلمون تتكافأ دماؤهم» (هذا بعض حديث رواه أبو داود وابن ماجة عن ابن عمرو) وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَعَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا قَتَلَ الْمَرْأَةَ لَا يُقْتَلُ بِهَا إِلَّا أَنْ يَدْفَعَ وَلِيُّهَا إِلَى أَوْلِيَائِهِ نِصْفَ الدِّيَةِ، لِأَنَّ دِيَتَهَا عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ، وَإِلَيْهِ ذهب أحمد في رواية واحتج أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِعُمُومِ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّهُ يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالْكَافِرِ الذِّمِّيِّ، وَعَلَى قَتْلِ الْحُرِّ بِالْعَبْدِ، وَقَدْ خَالَفَهُ الْجُمْهُورُ فيهما. ففي الصحيحين قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يقتل مسلم بكافر»، وأما العبد ففيه عن السلف آثَارٍ مُتَعَدِّدَةٍ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يُقِيدُونَ الْعَبْدَ مِنَ الْحَرِّ، وَلَا يَقْتُلُونَ حَرًّا بِعَبْدٍ، وَجَاءَ فِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ لَا تَصِحُّ، وَحَكَى الشَّافِعِيُّ بالإجماع عَلَى خِلَافِ قَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ فِي ذَلِكَ، وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ بُطْلَانُ قَوْلِهِمْ إِلَّا بدليل مخصص إلى الآية الكريمة.
ويؤيد الاحتجاج بهذه الآية الكريمة الحديث الثابت عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ الرَّبِيعَ عَمَّةَ أَنَسٍ كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ، فَطَلَبُوا إِلَى الْقَوْمِ العفو، فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «الْقِصَاصُ»، فَقَالَ أَخُوهَا أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَكْسِرُ ثَنِيَّةَ فُلَانَةَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا أَنَسُ كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ» قَالَ، فَقَالَ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا تَكْسِرُ ثَنِيَّةَ فُلَانَةَ، قَالَ: فَرَضِيَ الْقَوْمُ، فَعَفَوْا، وَتَرَكُوا الْقِصَاصَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أن مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى الله لأبره» أخرجاه في الصحيحين. وروى أبو داود عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: أَنَّ غُلَامًا لِأُنَاسٍ فُقَرَاءَ قَطَعَ أُذُنَ غُلَامٍ لِأُنَاسٍ أَغْنِيَاءَ، فَأَتَى أَهْلُهُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا أُنَاسٌ فُقَرَاءُ فَلَمْ يجعل عليه شيئًا. وهو حَدِيثٌ مُشْكِلٌ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنِ الْجَانِيَ كَانَ قَبْلَ الْبُلُوغِ فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ، وَلَعَلَّهُ تَحَمَّلَ أَرْشَ مَا نَقَصَ مِنْ غُلَامِ الْأَغْنِيَاءِ عَنِ الْفُقَرَاءِ أَوِ اسْتَعْفَاهُمْ عَنْهُ.
وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿والجروح قِصَاصٌ﴾ قال ابن عباس: تُقْتَلُ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَتُفْقَأُ الْعَيْنُ بِالْعَيْنِ، وَيُقْطَعُ الْأَنْفُ بِالْأَنْفِ، وَتُنْزَعُ السِّنُّ بِالسِّنِّ، وَتُقْتَصُّ الْجِرَاحُ بالجراح، فهذا يستوي فيه أحرار المسلمين فيما بينه رِجَالُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ إِذَا كَانَ عَمْدًا فِي النَّفْسِ وَمَا دُونَ النَّفْسِ، وَيَسْتَوِي فِيهِ الْعَبِيدُ رِجَالُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ إِذَا كَانَ عَمْدًا فِي النَّفْسِ وَمَا دُونَ النَّفْسِ، رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
(قَاعِدَةٌ مُهِمَّةٌ)
الْجِرَاحُ تَارَةً تَكُونُ فِي مَفْصِلٍ، فَيَجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ بِالْإِجْمَاعِ كَقَطْعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ وَالْكَفِّ وَالْقَدَمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ وَأَمَّا إِذَا لَمْ تَكُنِ الْجِرَاحُ فِي مَفْصِلٍ بَلْ فِي عَظْمٍ، فَقَالَ مَالِكٌ ﵀: فِيهِ الْقِصَاصُ إِلَّا فِي الْفَخِذِ وَشَبَهِهَا لِأَنَّهُ مُخَوِّفٌ خَطِرٌ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ: لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْعِظَامِ إِلَّا فِي السِّنِّ، وَقَالَ الشافعي: لا يجب القاص فِي شَيْءٍ مِنَ الْعِظَامِ مُطْلَقًا، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عن عمر بن الخطاب وابن عباس، وهو المشهور من مذهب أَحْمَدَ وَقَدِ احْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ بِحَدِيثِ (الرَّبِيعِ بِنْتِ النَّضْرِ) عَلَى مَذْهَبِهِ أَنَّهُ لَا قِصَاصَ فِي عَظْمٍ إِلَّا فِي السِّنِّ. وَحَدِيثُ الرَّبِيعِ لَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ وَرَدَ بِلَفْظِ كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ، وَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ سَقَطَتْ مِنْ غَيْرِ كَسْرٍ فَيَجِبُ الْقِصَاصُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ بِالْإِجْمَاعِ، وَتَمَّمُوا الدَّلَالَةَ بِمَا رَوَاهُ ابْنُ ماجه عن (جَارِيَةَ بْنِ ظَفَرٍ الْحَنَفِيِّ) أَنَّ رَجُلًا ضَرَبَ رَجُلًا عَلَى سَاعِدِهِ بِالسَّيْفِ مِنْ غَيْرِ الْمَفْصِلِ، فَقَطَعَهَا، فَاسْتَعْدَى النَّبِيَّ ﷺ، فَأَمَرَ لَهُ بِالدِّيَةِ، فَقَالَ:
1 / 521