Muclim Bi Fawaid Muslim
المعلم بفوائد مسلم
Soruşturmacı
فضيلة الشيخ محمد الشاذلي النيفر
Yayıncı
الدار التونسية للنشر
Baskı
الثانية،١٩٨٨ م
Yayın Yılı
والجزء الثالث صدر بتاريخ ١٩٩١م.
Bölgeler
•Tunus
İmparatorluklar & Dönemler
Ziriler ve Hammâdiler (Tunus, Doğu Cezayir), 361-547 / 972-1152
الإمَامْ أَبِو عَبْد اللهِ مُحمَّد بن علي بن عُمر المِازري
٥٣٦ هـ - ١١٤١ م
المُعْلم بفوائد مسلم
الجُزء الأوّل
تقديم وتحقيق
فضيلة الشيخ محمد الشاذلي النيفر
الطبعة الثانية
التونسية للنشر تونس
المؤسّسة الوطنية للكتاب الجزائر
المؤسّسة الوطنية للترجمة والتحقيق والدّراسات بيت الحكمة
1 / 1
المازي (أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر)
المعلم بفوائد مسلم أبو عبد الله محمد بن عمر المازري:
تقديم وتحقيق محمد الشاذلي النيفر. -طـ ٢.
-تونس: الدار التونسية للنشر؛ ١٩٨٧ (تونس: التونسية للطباعة وفنون الرسم). -٥٩٢ ص.؛
٢٤ سم إ. ق. ٤٠٧/ ٨٧
جميع الحقوق محفوظة لدار التونسية للنشر
١٩٨٨
1 / 2
بسم الله الرحمن الرحيم
استهلال
الحمد لله الذي شرع لنا من الدين ما به صلاح العالمين، ويسرّ لنا سُبُل المعرفة، بما بيّنه مما هو لا يحتاج إلى صفة. والصلاة والسلام على المبعوث رحمة: فإنه قد فرّج الله به كل أزمة، وعلى آله المكن لهم المودة، وأصحابه الأبرار الذين فرّج الله بهم كل شدة.
هذا وإن إظهار "المعلم" ستكون له آثار في التشريع الفقهي لما له من نظرات تسمو به لأنه انبنى على إبداء أفكار اجتهادية صحيحة مبنية على الروح الإِسلامية المتماشية مع السهولة والآخذة بعين الاعتبار لكل ما يحفظ للإِنسان أن يكون في إطار من أحكم الإِطارات وفيه يتمتع المجتمع بنظام يكفل كل وسائل الإِصلاح.
فـ"المعلم" في الحقيقة من هذه الناحية بهر الأنظار، واستوعب كثيرا من الأفكار، حتى أن ما كان له من إكمالات مثل إكمال القاضي عياض هي من نواح تتعلق بجوانب أخرى هي ثانوية عند الإِمام.
أما الناحية الاجتهادية في التشريع المبنية على الاستخراج من الكنز الثمين
1 / 5
السنة النبوية التي هي المصدر المَعين الثريّ في الاستنتاج من بيان الأسوة الأولى الرسول الكريم ﷺ فقد صرف لها الإِمام المازري عناية بالغة لم تفتقر إلى تكميل أساسي بل إلى ما هو من الإِفاضة من نبعه ذاته.
نال الحديث النبوي من الأصحاب الكرام اهتماما وتتبعا للدقيق والجيل، وهو مما امتاز به الإِسلام عن الديانات السماوية الأخرى إذ لم يحتفظ المتصلون بأصحاب الرسالات بالمحيطات النبوية حيث لم تتمكن رسالتهم حين الظهور ولم تتصل بالأنبياء المرسلين لأن رسالة موسى ﵇ عاشت في التيه، ورسالة المسيح ﵇ بلغت بوسائط.
أما الإِسلام فإن الصحابة حافظوا على الأطوار النبوية كلّها المتعلقة بنزول التشريع فلذلك حافظ الإِسلام على التشريع الإلهى صافيا نقيّا لم تكدره الشوائب.
فالأسوة النبوية لا توجد إلا في الإِسلام حيث تمتع الإِسلام بأنه الدين الوحيد الذي استطاع أن يظهر في مظهر دين ودولة، فما انتقل ﷺ إلا والإِسلام قائم الذات متمكن في الأرض.
بينما موسى ﵇ لم يلق من بني إسرائيل الأكفاء الذين يضطلعون بالأسس الدولية حتى يقوموا بأعباء دين ودولة بينما الإِسلام قد تهيأت له الأسباب في الهجرة إذ توفرت الدواعي للاضطلاع بإبراز الدين في أكمل الصور وأتمها.
فظهر الإِسلام بالمظهر الباهر الذي بوأ المسلمين مركز القيادة، وسهّل لهم أن يبلّغوا الرسالة مكتملة لأن تبقى خالدة في جدّة وحياة مستمرة.
وهذا المعنى الكامن في السنة النبوية وهي الروح التشريعية التي امتاز بها الإِسلام ركز عليها الإِمام المازرى في "المعلم" لأن من سبقه من شرّاح الحديث يتعلق بالجانب اللفظي أكثر بما يتعلق بالمعاني السامية.
1 / 6
فلهذا سيكون "المعلم" إبداء لما اختصت به السنة من أنها مصدر فريد للاجتهاد الإِسلامي الصحيح مما يدعو الفكر إلى أن يعرف ما في الإِسلام من نظام كفيل بالحياة الاجتماعية من كل جوانبها مما يعزّ وجوده في غيره.
وقد انصرف الجهد لأن يكون هذا التأليف في ثوب لائق به من حيث صحة النص، وتسهيل الوقوف على مسائله بإبرازها بصورة تتمثل فيها كل مسألة على حدة معرّفا بها مع ما يحتاجه تحقيق النصوص من عمل. ونرجو من الله أن يوفر مجهودنا المتطلباتِ بعون منه إن شاء تعالى.
ونخص بالشكر الجزيل المؤسسة الوطنية للترجمة والتحقيق والدراسات "بيت الحكمة" في شخص رئيسها سعادة الأستاذ أحمد بن عبد السلام، وكافة أعضاده لتوليها طبع كتاب "المعلم".
وإن الاطلاع على "المعلم" سيعزز شهرته التي أطبقت إفريقية والمغرب بقسميه الأوسط والأقصى، والأندلس، وحتى المشرق، ويتحقق ما يتمتع به هذا الفذ الشهير من أن إمامته إمامة حقة، وأن اختصاصه بها اختصاص عن جدارة وقيمة.
وبذلك يصير يعيش ييننا كما عاش في عصره بالإفادة بآرائه، وتدقيقاته التي اجتذبت الأفكار إليه بحيث لا تبقى شهرته شهرة تاريخية غير معززة بآثاره، وإن كانت الكثرة من تحريراته نقلتها مصادر كثيرة من حديثية وفقهية، حتى أن كتاب "المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى أهل إفريقية والأندلس والمغرب" لم يخل له جزء من أجزائه الاثني عشر من نقل عنه في عدة مناسبات، وكذلك غير "المعيار" من كتب المتقدمين.
لكن تلك التحريرات منقوصة، ثم إنها مفرقة ومشتتة بخلاف ما دوّن من إملائه لهذا الكتاب فإن فيه علاوة على الأمانة في النقل جمع الكثير من اجتهاداته العزيزة النظير بل عديمة المثال.
ويحق لتونس أن تكون فخورة بقيام المؤسسة الوطنية بأنها أصبحت تعيد
1 / 7
مجدها السالف في ظل حكومة فخامة الرئيس الجليل الحبيب بو رقيبة رئيس الجمهورية التونسية ومعالي الأستاذ وزير الشؤون الثقافية زكريا بن مصطفى.
ونسأله تعالى أن نكون موفقين في إبراز هذا الأثر الجليل في ثوبه الذي قمنا به بقدر المستطاع وأن يجعل عملَنا مقبولا عنده مفيدا لأربابه، معينا لطلابه إنه ولي الإِعانة ﷻ.
المحقق
شكر واجب
سهّل الله سبحانه إتمام الجزء الأول من المعلم طبعا والثاني قدم للمطبعة ليأخذ طريقه -إن شاء الله- إلى النشر، والثالث يتهيأ لأن يلتحق بالجزأين الأول والثاني وبه يتم الكتاب.
وتقديرا للمجهودات التي بذلها بعض الإخوان في الله نشكر كل من قدّم إعانة في إبراز الجزء الأول وخاصة فضيلة الشيخ محمد البشير المجدوب في تصحيح الكتاب وكذلك السيد الفاضل يوسف الذوادي في التصحيح والمقابلة فجازهما الله خير الجزاء إنه ولي الإعانة.
محمد الشاذلي النيفر
1 / 8
المازري
عصره
الدولة الصِّنهاجية بين التشيع والسنة (٣٦١ - ٥٤٣)
وأكبت حياة المازري الدولة الصنهاجية في أعقاب أيامها، وقد عاشت هذه الدولة في التراب الإفريقي طيلة قرنين إلا قليلًا رأت فيهما العز الباذخ، والسلطان الواسع، كما رأت فيهما أخيرا ذهاب السلطان، وذبول النفوذ، ونزو المتطلعين إلى السلطان واستبدادهم على الدولة.
والدولة الصّنهاجية ذات طابع خاص عاشته في حياتها حيث إنها تفرعت من غيرها وفي نفسها الأنفة من تلك التبعية لدولة غيرها تراها قامت على جهودها، ولكنها لما أعلنت بما هو في دخيلة نفوس رجالها لاقت عنتا من ذلك.
فهي الدولة الأولى المناهضة للتبعية بعد ذهاب الفدرالية الإِسلامية في ظل الخلافة، فإن كل الدول كانت تعيش في ظل الخلافة وهي أشبه شيء بالأم الجامعة لكل بنيها، وكانت الدول المتفرعة من الخلافة تتمتع باستقلال محدود، ونفوذ في مناطقها، ولكنها تخضع في أصول الروابط إلى الخلافة.
وحين ضعفت الخلافة وحتى قبل ضعفها استبدت عليها دول خرجت
1 / 9
عن نطاقها، وهي الدولة الأموية بالأندلس، والأدارسة بالمغرب الأقصى، والدولة الفاطمية بالمغرب ومصر وما دخل تحت نفوذها، وكانت الدولة الصنهاجية جناحا غربيا للدولة الفاطمية المرتكزة بمصر والتي كانت غير مقتنعة بملك مصر، وإنما كانت تطمع في الاستيلاء على العالم الإِسلامي كله وفي نشر مذهبها حتى يعتنقه المسلمون كلهم.
ميل الأفارقة إلى السنة:
سارت صنهاجة بالمصور بدون ردحا من الزمن تحت ظل الفواطم، وهم عاملون للتشيع إلا أن تمسك الشعب الإِفريقي بالسنة كان تمسكا شديدًا، لم تبرد حدته ولم تفتر قوته، فقد كانت المقاومة السلبية للسنة تظهر في مقاطعة أهل القيروان حضور الجمعات التي يُلعن فيها أصحاب رسول الله ﷺ (١) فتعطلت الجمعة دهرا بالقيروان ثم جاءت المقاومة الثانية في تتبع الرافضة، واشتعلت الشرارات ضدهم فكانت حومة بالقيروان تعرف بدرب المعلى فيها قوم يتسترون بالمذهب المذكور، فانصرف إليها العامة وابتدأت المقاومة لهم في سنة (٤٠٧) (٢).
ونشرح أسبابها البعيدة والقريبة لأنها مهدت لها عوامل متعددة منها ما هو من الفواطم أنفسهم، ومنها ما هو راجع إلى الصمود الإِفريقي.
تستر الفاطميين:
من أكبر أسباب اشتعال الفتنة مؤخرًا ضد التشيع هو أن بعض رجال الدولة الفاطمية أعلنوا بمذهبهم خلاف المتقدمين منهم فقد كانوا يتسترون ولا يُظهرون مذهبهم كما هو، وإنما كانوا يظهرون بعض الشيء مخافة أن يطَّلع الناس على مذهبهم فيثوروا عليهم فلذلك كانوا في تستُّر.
(١) البيان المغرب لابن عذاري المراكشي: ج١ ص ٢٧٧.
(٢) البيان المغرب: ج١ ص ٢٦٨.
1 / 10
ويرجع تستر الفاطميين إلى شدة شكيمة الأفارقة فإنهم لم يقبلوا بالسنَّة بدلًا كلّفهم ذلك ما كلّفهم، ومع أنهم لاقُوا شدة وبلاء كبيرا من الفاطميين لم تلن لهم قناة، ولا رجعوا عن السنة. ولم ينقلب على عقبيه إلا قليل القليل من الذين استهوتهم الأطماع، ومالوا إلى الرتب التي أسندتها إليهم الشيعة.
ثم إن ثورة أبي يزيد مخلد بن كيداد لا تزال ماثلة أمام العيون، فهي ثورة من أكبر الثورات، وأشدها، وهي ثورة تغيير المواقف.
ومما أعان على اشتعال هذه الثورة وانتشارها، والتهابها التهابا كادت الدولة تعجز عنه أن أبا يزيد مخلد بن كيداد عرف كيف يستغل الموقف، فهو وإن كان من النكّارين لكنه كان لا يظهر مذهبه، ويزعم أنه يدعو إلى الحق، فرجا الناس منه الخير، والقيام بالسنة حتى رأوه رجل الخلاص، فلذلك خرج معه الفقهاء والعبّاد، وزاد في الإِقبال عليه أنه أمر الناس بقراءة مذهب مالك فخرج الفقهاء والصلحاء في الأسواق بالصلاة على النبي ﷺ، وعلى أصحابه، وأزواجه (٣).
وقابل الذي من أبي يزيد ما أظهره أبو القاسم القائم مما هو مخالف لكتاب الله تعالى واشتداده على من وقف في وجه دعوته من الأفارقة الشديدي الشكيمة.
ومن هذين العاملين كان اشتداد أمر أبي يزيد حتى كادت ثورته تقضي على ملك المهدية لولا إعانة جاءت من بعيد وهي اليد التي قدمها زيري ابن مناد الصِّنهاجي إلى القائم فإنه حمل الميرة إليه وهو محصور بالمهدية من قبل أبي يزيد.
وما همدت فتنة أبي يزيد إلا بعد أن ذاق الفواطم الأمرَّين، وعلموا أن
(٣) البيان: ج١ ص ٣١٧.
1 / 11
السنة لا تغالب، وأنهم إذا أظهروا ما ينطوون عليه لم يروا إلا الحسام فضلا عن الإِصاخة لهم.
فكان الموقف بإفريقية موقف الشدة المتناهي، وهو ما جعل المعز يتخوف من الظهور بمذهبه الظهور الجليّ إلا أنه لما حل بمصر، وتمكن من ناصيتها، ورأى ضعف المقاومة هناك، وأنها ليست كالتي بإفريقية، فالصرامة التي ظهرت بإفريقية هي صرامة من نوع خاص من الذب عن السنة، تغير موقفه نوعا ما.
إلا أن المعز لم يعلنها دعوة صريحة كما حكاه ابن الأثير صاحب الكامل: "وكان المعز عالمًا فاضلًا، جوادًا، شجاعًا، جاريًا على منهاج أبيه من حسن السيرة، وإنصاف الرعية، وستر ما يدعون إليه إلا عن الخاصة، ثم أظهره وأمر الدعاة بإظهاره إلا أنه لم يخرج فيه إلى حد يذم به" (٤).
والظاهر أن إبداء الدعوة الصريحة إنما كان بعد فتح مصر، والتوثق منها، والوقوف على ضعف المقاومة من جندها، عكس ما كان عليه الأمر بإفريقية من سيَلان دماء، وإزهاق أرواح، ومجادلات عنيفة.
ويؤيد ما ذهبت إليه أن شاعره ابن هاني (٥) لم يصرح في أمداحه بالغلو إلا بعد فتح مصر، وسيّر المعز إليها، فأنشده قصيدته التي كانت تمثل الغلو في شخص الأمير الفاطمي: [الكامل]
مَا شِئْتَ لاَ مَا شَاءَتِ الأقدَارُ ... فَاحْكُمْ فأنت الوَاحِدُ القَهَّارُ
وَكَأنَّمَا أنتَ النَّبِيءُ مُحمّدٌ ... وَكأنَّمَا أنْصَارُك الأنْصَارُ
(٤) كامل ابن الأثير: ج ٧ ص ٧٤.
(٥) محمد بن هانىء بن محمد بن سعدون الأندلسي ثم الإِفريقي اتصل في آخر أيامه بالمعز العبيدى، وتوفي قتيلًا ببرقة سنة (٣٦٢).
1 / 12