بوجوه من العمال الجزائريين، لا زلت أحفظ لهم أعطر ذكرى، إذ لم تكن طائفة الجزائريين الذين قدمهم لي (التلموذي) ذلك اليوم، من مستهلكي (البسطيس) ولا من الذين يتعاطون الغزل المنحط، وإنما كانوا يفدون على هذا المكان لأنه أصبح بحكم ظروف خاصة، مكان ندوتهم عندما يجتمعون من أجل تسيير مشروعهم الثقافي.
كانت ندوتهم ذلك اليوم من أجلي في قاعة خلفية، وكان (التلموذي) كلما وصل أحد الأعضاء، يترك مكانه وشغله في القاعة الأمامية، ويأتي معه ليقدمني:
- هذا شيخنا سي (الصديق)، الذي سيقوم بإدارة مركزنا الثقافي.
فيعقب (حشيشي مختار) على هذا التقديم:
- لم يأت سي (الصدّيق) ليعلمكم فحسب بعض شؤون دينكم، إنه يستطيع أيضًا تعليمكم صناعة الزجاج أو صناعة الكاغد، إنه مهندس.
كان صديقي يتولى هذا التعقيب بحكم وجهة نظره في الإصلاح لأنه لا يراه مجديًا إذا تناول جانب الدين فقط، ولكنني أشعر أنه يقصد أيضًا بتعقيبه الرفع من شأني في نظر الأعضاء، على عادة أهل الفطرة الذين لا يتكلفون في التعبير عن عواطفهم الودية، فيطلقون لسانهم يعبر بكل بساطة، حتى يكون أحيانًا صديقهم محرجًا لا يعرف كيف يتفادى المدح الموجَّه له، ولكنني وجدت مصرفًا لهذه الخواطر العارضة في حديثي مع الأعضاء الذين أخذت حلقتهم تتسع حولي، فاسترسلت معهم على عادتي في أي حلقة أخرى، في الحديث على الوضع في الجزائر، خصوصًا بالنسبة للإصلاح، فكانت كلماتي المشحونة بكل ما أومن به وبكل ما أسخط عليه، تنفذ إليهم بحدة أرى أثرها على وجوههم، خاصة على وجه (سوالمية) الذي سيصبح صديقي والدولاب الفعال في حياة (نادي المؤتمر الجزائري الإسلامي) تلك السنة.