387

Mecca and Medina in the Pre-Islamic Period and the Era of the Prophet Muhammad (PBUH)

مكة والمدينة في الجاهلية وعهد الرسول ﷺ

Yayıncı

دار الفكر العربي

Bölgeler
Mısır
دعا النبي ﷺ اليهود والنصارى إلى هذه الدعوة أو يلاعن النصارى، أما اليهود فقد كان بينه وبينهم عهد الموادعة؛ لكن النصارى خافوا عاقبة الملاعنة ورأوا ألا يلاعنوه، وأن يتركوه على دينه ويرجعوا على دينهم، لكنهم رأوا حرص النبي ﷺ وأصحابه على العدل فطلبوا إليه أن يبعث معهم رجلًا يحكم بينهم في أشياء اختلفوا عليها من أقوالهم، وبعث معهم النبي ﷺ أبا عبيدة بن الجراح ليقضي بينهم فيما اختلفوا فيه١.
وهكذا اشتد النفور بين المسلمين واليهود في المدينة وكثرت بينهم المخاصمات وبدت الكراهية والبغضاء، حتى نزل القرآن ينهى المسلمين عن الاختلاط باليهود واتخاذ بطانة لهم منهم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ، هَا أَنْتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ [آل عمران] ٢. ونزل يحذرهم من القعود معهم والدخول في مجالات دينية: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [النساء] . فنجم عن ذلك أزمة بين المسلمين واليهود جعلت تشتد يومًا بعد يوم. ولم يمض أكثر من ثمانية عشر شهرًا من قدوم النبي ﷺ إلى يثرب حتى تلبد الجو بالغيوم الكثيفة بين الطرفين، وجعل كل فريق يتواصى بالحذر والنفور من الفريق الآخر. وقد استمرت هذه الأزمة الشديدة إلى يوم موقعة بدر.
رأينا -من قبل- أن الصحيفة التي كتبها النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار على رأس سنة من قدومه إلى يثرب، ووادع فيها اليهود وعاهدهم وأقرهم على دينهم وأموالهم، قد ذكرت البطون اليهودية الصغيرة التي كانت في ذلك الوقت قد اندرجت في البطون العربية وصارت تعد منها بحسب العرف القبلي، ولذلك ذكرتها الصحيفة لا بأسمائها، ولكن بأسماء البطون العربية التي تتبعها، أما قبائل اليهود الثلاث الكبرى

١ نفسه ٢١٥. انظر هيكل: حياة محمد من ص: ٢١٨- ٢٣٥.
٢ ابن هشام ٢/ ١٨٦، ١٨٧.

1 / 385