Mawsu'at al-Akhlaq al-Islamiyyah
موسوعة الأخلاق الإسلامية
Yayıncı
موقع الدرر السنية على الإنترنت dorar.net
نماذج من وفاء الصحابة ﵃:
لقد وفّى أصحاب رسول الله ﷺ بالعهود والمواثيق والتزموا بالمبايعات التي أخذها عليهم رسول الله ﷺ.
(فقد بايع رسول الله ﷺ صحابته في عدة مناسبات وهذه هي العهود والمواثيق التي ذكرها الله في أكثر من آية، حيث خص بعضها بالذكر كبيعة الرضوان وعم آخر كسائر المبايعات ... وأخذ عليهم العهد في بيعتي العقبة، وبيعة الرضوان، وبايعهم على الإسلام، وبايع النساء بيعة خاصة، كما بايع بعض صحابته على الجهاد، وآخرون على السمع والطاعة، وبايع بعضهم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم ... ومما يجدر التنبيه إليه هنا ما ذكره سبحانه في سورة الأحزاب مادحًا أصحاب تلك العهود والمواثيق ومثنيًا عليهم: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا [الأحزاب: ٢٣]. نعم لقد وفى صحابة رسول الله ﷺ بعهودهم، والتزموا مواثيقهم، ولم يكونوا كبني إسرائيل الذين أصبحت الخيانة والغدر من سماتهم وأبرز سجاياهم وطباعهم.
لقد كان من وفاء أصحاب رسول الله ﷺ أن أحدهم يسقط سوطه وهو راكب على دابته فينزل ليأخذ سوطه ولا يطلب من أحد أن يناوله، لأنه بايع رسول الله ﷺ على ألا يسأل الناس شيئًا أعطوه أو منعوه.
هذه هي الطاعة وهذا هو الوفاء، وبمثل هؤلاء تسعد البشرية وتصل إلى مدارج الرقي وسمو الأخلاق، لقد كان جيلًا قرآنيًا فذًا، لم تعرف البشرية جيلًا كذلك الجيل، ولا صفوة كتلك الصفوة أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام: ٩٠] أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ [الزمر: ١٨]) (١).
- وفاء أبي بكر ﵁:
وفاء أبي بكر بديون النبي ﷺ وعداته:
عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: «قال لي رسول الله ﷺ لو قد جاء مال البحرين لقد أعطيتك هكذا وهكذا ثلاثا فلم يقدم مال البحرين حتى قبض رسول الله ﷺ فلما قدم على أبي بكر أمر مناديا فنادى من كان له عند النبي ﷺ دين، أو عدة فليأتني قال جابر فجئت أبا بكر فأخبرته أن النبي ﷺ قال: لو جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا ثلاثا قال فأعطاني قال جابر فلقيت أبا بكر بعد ذلك فسألته فلم يعطني ثم أتيته فلم يعطني ثم أتيته الثالثة فلم يعطني فقلت له قد أتيتك فلم تعطني ثم أتيتك فلم تعطني ثم أتيتك فلم تعطني فإما أن تعطيني وإما أن تبخل عني فقال أقلت تبخل عني وأي داء أدوأ من البخل- قالها ثلاثا - ما منعتك من مرة إلا وأنا أريد أن أعطيك» (٢).
وفاؤه في إنفاذ جيش أسامة ﵁:
قام أبو بكر ﵁ بتنفيذ جيش أسامة بن زيد الذين كانوا قد أمرهم رسول الله ﷺ بالمسير إلى تخوم البلقاء من الشام.
(فخرجوا إلى الجرف فخيموا به، وكان بينهم عمر بن الخطاب، ويقال: وأبو بكر الصديق فاستثناه رسول الله منهم للصلاة، فلما ثقل رسول الله ﷺ أقاموا هنالك، فلما مات عظم الخطب واشتد الحال ونجم النفاق بالمدينة، وارتد من ارتد من أحياء العرب حول المدينة، وامتنع آخرون من أداء الزكاة إلى الصديق، ولم يبق للجمعة مقام في بلد سوى مكة والمدينة، وكانت جواثا من البحرين أول قرية أقامت الجمعة بعد رجوع الناس إلى الحق كما في صحيح البخاري عن ابن عباس كما سيأتي، وقد كانت ثقيف بالطائف ثبتوا على الإسلام، لم يفروا ولا ارتدوا، والمقصود أنه لما وقعت هذه الأمور أشار كثير من الناس على الصديق أن لا ينفذ جيش أسامة لاحتياجه إليه فيما هو أهم، لأن ما جهز بسببه في حال السلامة، وكان من جملة من أشار بذلك عمر بن الخطاب، فامتنع الصديق من ذلك، وأبى أشد الإباء، إلا أن ينفذ جيش أسامة، وقال: والله لا أحل عقدة عقدها رسول الله ﷺ، ولو أن الطير تخطفنا، والسباع من حول المدينة ولو أن الكلاب جرت بأرجل أمهات المؤمنين لأجهزن جيش أسامة) (٣).
(١) «العهد والميثاق في القرآن الكريم» لناصر العمر (ص: ٢٣٥).
(٢) رواه البخاري (٤٣٨٣).
(٣) «البداية والنهاية» لابن كثير (٦/ ٣٣٥).
2 / 103