وأوصاه بهذه الوصية، لعلمنا يقينا أنه كاذب، أو أن الذي قال له ذلك شيطان، ليس هو الرسول ﷺ لوجوه كثيرة منها:
١ - أن الرسول ﷺ لا يرى في اليقظة بعد وفاته ﷺ، ومن زعم من جهلة الصوفية أنه يرى النبي ﷺ في اليقظة، أو أنه يحضر المولد أو ما شابه ذلك، فقد غلط أقبح الغلط، ولبس عليه غاية التلبيس، ووقع في خطأ عظيم وخالف الكتاب والسنة وإجماع أهل العلم؛ لأن الموتى إنما يخرجون من قبورهم يوم القيامة لا في الدنيا، ومن قال خلاف ذلك فهو كاذب كذبا بينا، أو غالط ملبس عليه، لم يعرف الحق الذي عرفه السلف الصالح، ودرج عليه أصحاب رسول الله ﷺ وأتباعهم بإحسان، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ (١) ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ (٢) وقال النبي ﷺ: «أنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة وأنا أول شافع وأول مشفع (٣)» والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
٢ - الوجه الثاني: أن الرسول ﷺ لا يقول خلاف الحق، لا في حياته ولا في وفاته، وهذه الوصية تخالف شريعته مخالفة ظاهرة، من وجوه كثيرة - كما يأتي - وهو ﷺ قد يرى في النوم، ومن رآه في المنام على صورته الشريفة فقد رآه؛ لأن الشيطان لا يتمثل في صورته، كما جاء بذلك الحديث الصحيح الشريف، ولكن الشأن كل الشأن في إيمان الرائي وصدقه وعدالته وضبطه وديانته وأمانته، وهل رأى النبي ﷺ في صورته أو في غيرها.
ولو جاء عن النبي ﷺ حديث قاله في حياته، من غير طريق الثقات العدول الضابطين لم يعتمد عليه، ولم يحتج به، أو جاء من طريق الثقات الضابطين، ولكنه يخالف رواية من هو أحفظ منهم، وأوثق مخالفة لا يمكن معها الجمع بين الروايتين، لكان أحدهما: منسوخا لا يعمل به، والثاني: ناسخ يعمل به، حيث أمكن ذلك بشروطه، وإذا لم يمكن الجمع ولا النسخ وجب أن
(١) سورة المؤمنون الآية ١٥
(٢) سورة المؤمنون الآية ١٦
(٣) سنن أبو داود السنة (٤٦٧٣)، مسند أحمد بن حنبل (٢/٥٤٠) .