Erdemlilerin Öyküleri
مآثر الأبرار
لا تعجبوا من رقة وقساوة
فالنار تقدح من قضيب أخضرا ولقد وقفت على كلام في تصنيف حكي فيه سيرة لبعض بني العباس، بالغ في وصف [حسن] خط ذلك الخليفة، وتعجب من إحاطته بقلمه لنظم جميع مملكة العراق، وأن قلمه كفاه عن المخارج الجسام، فقال: فيه أفكاره الكريمة مصروفة إلى عمارة آخرته وعليها موقوفة، وهمته الشريفة بالالتفات إلى تقرير رعيته مشهورة [و] معروفة، لا يضجره منهم كثرة الرغبات، ولا تواتر القصص الواردات من سائر الجهات، ولا يخل مما يرفع إليه بمجالس العرض المقدسة بتأمل قصة واحدة، فيشتغل قلمه الشريف بالإجابة عن كل دقيقة وجليلة وكل رغبة ووسيلة، فكان في عصره الذي هو في جلالة القدر أي عصر كما قيل: "لا يشتغل بالصدر إلا الواسع الصدر"، فما شغله كثرة معاناته للأمور وتفقد أمر الجمهور، وكثرة الأسفار والحركة والتزحزح عن مقر الإمامة العظيم والمملكة، وتفقد أمور الدين، والعكوف على تحصيل مصالح المسلمين وضيق أوقاته العزيزة بالمتجددات، وتوزيعها على النظر في المهمات عن كتابة مقدمة من القرآن العظيم بخط يده الشريفة، أبرزت إلى الديوان العزيز تقرأ في جميع الأوقات، وفي مجالس الجمع والجماعات.
قال مصنف السيرة العباسية: وهذه منقبة مبتكرة من أجل المناقب لم يؤرخ مثلها عن الأئمة الماضين، ولا عن غيرهم من الملوك والسلاطين.
قلت: فانظر إلى مضمون هذا الكلام، وقصه على سيرة هذا الإمام تجده قد استوفاه بالكمال والتمام، فإنه نسخ مقدمة تقرأ في كل حين، ويتداولها جميع الصالحين والمفلحين، من غير (ما) كتب في كل فن من العلوم، كأنها الدر المنظوم، فغطى نورها نور النجوم.
Sayfa 45