Lessons of Sheikh Ahmad Fareed
دروس الشيخ أحمد فريد
بعض الدوافع والأسباب التي تعين على الصبر والرضا
وقبل أن نشرع في المواقف الإيمانية في الرضا والصبر نتكلم عن بعض الدوافع التي تعين على الصبر والرضا، وهذه الدوافع لا شك أنها تعين على مثل هذه المواقف الإيمانية؛ لأن المواقف الإيمانية تكون نتيجة لغلبة الإيمان على قلب العبد وإيثار العبد لمراد الله ﷿، ومحبته لدين الله ﷿.
فالذي يدفع إلى مثل هذه المواقف الإيمانية قوة الإيمان وقوة الأحوال الإيمانية، فهذه الدوافع تعين على الصبر والرضا.
فلا شك في أن الصبر مقامًا رفيعًا، وطاعة يحبها الله ﷿، ويحب أهلها، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٦].
فقد جعل الله ثواب الصبر بغير حساب، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠].
والصبر واجب حتمًا، أما الرضا فهو أعلى رتبة منه، وجزاؤه رضا الله ﷿ الذي هو أكبر من جنة الله ﷿، فما هي الدوافع والأسباب التي تعين على الصبر والرضا؟
و
الجواب
أولًا: أن يتدبر العبد ما سبق من آيات كريمات، وأحاديث نبوية في فضل الصبر والرضا، فيعلم العبد فضل الصبر والرضا من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية.
ثانيًا: أن يدرس المواقف الإيمانية، كالصبر على البلاء والرضا بأمور القضاء؛ فإنه مما يعينه على الصبر؛ لأنها رايات مرفوعة على طريق الإيمان، فيتأسى بأصحاب هذه المواقف المؤمنون الصادقون، وينسج على منوالهم العباد الصالحون.
ومن ذلك أن يعلم أن القدر سبق بذلك، قال ﷿: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢].
يعني: أن الله ﷿ جعل لنا ملائكة تحفظنا، قال الله ﷿: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد:١١].
وهذه الملائكة لا تحفظه من أن ينفذ فيه أمر الله، بل هذه الملائكة من أمر الله: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [الأنبياء:٤٢].
فكل إنسان منا تعرض خلال حياته لمواطن كثيرة جدة كاد أن يهلك فيها، ولكن الله ﷿ يحفظه.
فالملائكة التي تحفظ العبد وتكلؤه بالليل والنهار تتخلى عنه إذا جاء أمر قدره الله ﷿ له، فإذا جاء القدر تخلوا عنه.
فالإنسان إذا أصيب ببلاء فليتذكر أن هذا البلاء مكتوب في اللوح المحفوظ، وأن الله ﷿ شاءه، وأنه لابد أن يكون؛ والمعنى: أن المصائب مقدرة، لا أنها وقعت على وجه الاتفاق كما يقول الطبائعيون، ولا أنها عبث، بل هي صادرة عمن صدرت عنه محكمات الأمور.
فالله ﷿ قدرها، فلابد أن فيها حكمة، يقول بعض السلف: إذا وقعت ذبابة على يدك فاعلم أنها وقعت بقدر ولحكمة.
فكل أمر لحكمة؛ لأن مدبر هذه الأمور هو الحكيم الخبير، فالله ﷿ يدبر أمر ملكه كيف يشاء، فالأمور لا تأتي كما يقول الطبائعيون اتفاقًا، ولكنها بقدر وبحكمة، بل هي صادرة عمن صدرت عنه محكمات الأمور، ومتقنات الأعمال، وإذا كانت صادرة عن الحكيم فهو لا يعبث، فهي إما لزجر عن فساد أو لتحصيل الأجر أو لعقوبة على ذنب.
رابعًا: العلم بأن الدنيا دار الابتلاء والكرب، لا يرجى منها راحة.
وما استغربت عيني فراقًا رأيته ولا أعلمتني غير ما القلب عالمه فالإنسان لا يستغرب أي بلاء؛ لأن الدنيا أصلًا دار كدر، لذلك جرى القدر، ويا عجبًا ممن يده في سلة الأفاعي كيف ينكر اللسع! فالإنسان لا يستغرب أن يصاب ببلاء؛ لأن الدنيا دار امتحان ودار بلاء.
خامسًا: أن يقدر وجود ما هو أكبر من تلك المصيبة، كمن له ولدان ذهب أحدهما؛ فقد كان يمكن أن يذهب الاثنان، فقد تذهب أسر بكاملها في حوادث، نسأل الله العافية، فالإنسان يقدر أن المصيبة كانت أكثر من ذلك.
سادسًا: النظر في حال من ابتلي بمثل هذا البلاء، فإن التأسي راحة عظيمة، قالت الخنساء: ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي وما يبكون مثل أخي ولكن أعزي النفس عنه بالتأسي وهذا المعنى قد حرم الله ﷿ منه أهل النار، كما قال ﷿: ﴿وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف:٣٩] يعني: يحرم أهل النار من التأسي.
فيقولون: المصيبة إذا عمت هانت، يقال: فلان أصيب بكذا، وفلان بكذا، فيتسلى الناس بعضهم ببعض.
ولكن أهل النار يظن كل إنسان منهم أنه محبوس وحده، وأنه لم يبق في النار سواه.
سابعًا: أن يتذكر نعم الله ﷿ عليه، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤].
يعني: أن الإنسان بدل ما يفكر في المصائب التي تصيبه يتذكر نعم الله ﷿ عليه.
ثامنًا: أن العبد إذا صبر واحتسب فإن الله يعوضه ولا يخيبه.
من كل شيء إذا ضيعته عوض وما من الله إن ضيعت من عوض تاسعًا: أن الجزع لا يرد المصيبة، بل يضاعفها،
57 / 10