589

Lessons by Sheikh Muhammad Al-Mukhtar Al-Shanqiti

دروس للشيخ محمد المختار الشنقيطي

صفحات مشرقة من تاريخ أبي ذر الغفاري
الحمد لله الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إنه كان بعباده خبيرًا بصيرًا، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، أرسله بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
إخواني في الله! إن الله إذا أحب عبدًا من عباده ألهمه فعل الخيرات وترك الفواحش والمنكرات، وحبب إلى قلبه الباقيات الصالحات، فالحمد لله الذي جمعنا في هذا المكان الطيب المبارك في بيت من بيوت الله، وبعد هذه الفريضة من فرائض الله، فـ (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده) ولقد وجبت محبة ربك للمتحابين فيه، وللمتجالسين فيه، وللمتزاورين فيه، فـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣].
إخواني في الله! إن الله بعث نبيه بالهدى والنور، فشرح به القلوب، وأنار به الصدور، بعثه شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا، فما ترك باب خير إلا دلنا عليه، ولا سبيل هدى ولا بر ولا طاعة إلا هدانا إليه، أخذ بمجامع قلوب الناس إلى ربها، ودلهم على الله خالقها وفاطرها، فيا لها من كلمات وعظات بالغات خشعت لها قلوب الصحابة والصحابيات! يوم وقف النبي ﷺ بينهم وصدع بكلمة الله في رحابهم، ففتح الله له قلوبهم وأسماعهم؛ فخشعت تلك القلوب لربها، وأصغت إلى نبي الله ﷺ يذكرها ويعظها، وهذه كلمة من تلك الكلمات ووصية من الوصايا البالغات حفظها أبو ذر الصحابي الأغر البر، صاحب العلم والزهد جندب بن جنادة ﵁ وأرضاه، وجعل طيب الجنة مسكنه ومثواه، رضي الله عن أبي ذر -صفحات الإيمان والتضحية والصبر- يوم خرج ودان أهله وعشيرته إلى رسول الله ﷺ مهاجرًا، خرج بقربة من الماء صغيرة، ولكن بقلب كبير يريد أن يضع فيه الإيمان بالله اللطيف الخبير، وجلس بين يدي النبي ﷺ فعرض عليه التوحيد والإيمان، عرض عليه الوحي والقرآن، وعرض عليه نبذ الجاهلية والأوثان، فما فارقت قدما أبي ذر ﵁ رسول الله ﷺ حتى قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ﵁ وأرضاه يوم أسلم لربه ومولاه؛ فبرقت أسارير السرور في وجه النبي ﷺ.
﵁ وأرضاه يوم أن أرضى رسول الله وأدخل السرور على حبيب الله ﷺ، فما إن دخل ذلك الإيمان إلى ذلك القلب حتى تغلغل في سويدائه فقال: (والله لأصدعن بكلمة الحق بين ظهرانيهم، فقال له النبي ﷺ: إني أخاف عليك أن يقتلوك) فخرج ﵁ وأرضاه مؤمنًا موقنًا متوكلًا، خرج لكي يقول كلمة الله، فخرج في يوم كان فيه خامس من أسلم على يدي رسول الله ﷺ، ودخل مسجد الكعبة وقد جلست فيه قريش برجالها وأبنائها، فوقف أبو ذر ﵁ وأرضاه عليهم وصاح صيحته: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فما بقي رجل إلا قام إليه وضربه؛ حتى سالت دماؤه ﵁ وأرضاه، فلما سالت دماؤه كتب أجره وعظم ثوابه، وخرج من الدنيا وله صفحة يوم ابتلي فيها في جنب الله، خرج من الدنيا وله يومٌ أوذي فيه في جنب الله وفي ذاته، فلما رأى النبي ﷺ صدقه ومحبته وإيمانه أمره أن يسير إلى قومه مسير البشير النذير فخرج هاديًا ومبشرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا؛ فأسلمت غفار عن بكرة أبيها، وجاء بها إلى النبي ﷺ تؤمن بالله وتشهد بالنبوة لرسول الله ﷺ، فوقف في ذلك اليوم ﵊، فلما رأى إسلامها قال ﵊: (غفار غفر الله لها) وغفار هم قوم أبي ذر، بل ثمرة أبي ذر اليانعة، فرضي الله عنه وأرضاه.
وما زال أبو ذر يجاهد مع رسول الله ﷺ يشهد المشاهد، يجاهد ويجالد حتى ابتلى ربك أصحاب نبيه ﷺ بالغزوات والمشاهد المباركات، فجاءت غزوة العسرة في زمان شديد الحر والقر، في شدة الصيف إلى عدو شديد كلبه، عظيم خطره، فندب النبي ﷺ رجال الإيمان إلى أهل الجاهلية والأوثان، ندبهم ﷺ إلى أهل الصليب وعبدة الأوثان، فخرج أبو ذر ﵁ وأرضاه مع نبي الهدى يجاهد العدى حتى سار المفازات، وقطع المسافات الشاسعات، لا يصيبه ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله إلا أُجر، حتى تعطل به بعيره عن المسير فوضع متاعه على ظهره وخرج في شدة الهاجرة والظهيرة -والمتاع على ظهره- يتصبب عرقًا فرآه الصحابة من بعيد فقالوا: فلان، لا بل فلان، فقال ﷺ: (كن أبا ذر رحمك الله يا أبا ذر تعيش وحيدًا، وتموت فريدًا) فعاش ﵁ وأرضاه عيشة الإيمان والإحسان.

35 / 2