280
الرفق في التعامل
فتى الإسلام:
خذهم بالرُقى إن المَهَارى يهيِّجها على السير الحُداء
لين القول أدعى للقبول، بالتي هي أحسن، بالموعظة الحسنة، وقولوا للناس حُسنًا: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران:١٥٩] ﴿فما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه﴾ ﴿وإن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله﴾ ﴿ومن يُحرم الرفق يحرم الخير كله﴾ لا مُداهنة ولا نفاق، بل نصح في أسلوب دمث مؤثر، يفتح القلوب، ويشرح الصدور.
في الحديث الصحيح: ﴿أن النبي ﷺ لما أراد المسير إلى حنين بعث إلى صفوان بن أمية -وهو كافر- يطلب منه أن يعيره مائة درع، وما يُصلحها من عدتها وعتادها، فقال صفوان: أغصبًا يا محمد؟ فقال ﷺ: لا.
بل عارية مضمونة حتى نؤديها إليك، فأعار النبي ﷺ الدروع، وأمره النبي ﷺ أن يحملها إلى حنين فحملها، ولما عاد النبي ﷺ غانمًا من حنين، وقد تلفت بعض الدروع في الحرب، قال لـ صفوان: إن شئت غرمتها لك يا صفوان! فقال صفوان: لا.
وجعل ينظر إلى شعب مليء بنعم وشاة ورعاء، ويديم النظر إلى ذلك النعم، ورسول الله ﷺ يرمقه، ثم قال ﷺ: أبا وهب! أيعجبك هذا؟ قال: نعم.
قال: فهو لك.
فقال صفوان: مه، والله ما طابت نفس أحد بمثل هذا إلا نفس نبي، أشهد أن لا إله إلا لله، وأنك رسول الله، ودخل في دين الله﴾.
خذهم بالرقى إن المهارى يهيجها على السير الحُداء.
وثبت في مستدرك الحاكم أن زيد بن سعنة؛ أحد أحبار اليهود اشترى تمرًا معلومًا من النبي ﷺ إلى أجل معلوم، وقبل الموعد بأيام جاء إلى النبي ﷺ وقد فرغ من صلاة الجنازة على أحد المسلمين، ودنا إلى جدار ليجلس متعبًا ﷺ، فيتقدم زيد فيأخذ بمجامع قميصه وردائه، وينظر إليه بوجه غليظ متجهم، ويقول: يا محمد! ألا تقضني حقي؟ والله! إنكم لمطل يا بني عبد المطلب.
عند ذلك نظر إليه عمر وعيناه تدوران في وجهه من الغضب، ثم قال: يا عدو الله! أتقول لرسول الله ما أسمع، وتصنع ما أرى؟! والذي بعثه بالحق، لولا ما أُحاذر من لومه لضربت بسيفي هذا رأسك.
فيرتعد ويخاف ويضطرب إذ الكلام من عمر، وما أدراك ما عمر؟! وينظر إلى النبي ﷺ فينظر إلى عمر ﷺ ويبتسم في سكون وتؤدة، ثم يقول: ﴿يا عمر! أنا وهو كنا أحوج إلى غير هذا منك؛ أن تأمرني بحسن الأداء، وتأمره بحسن الطلب، اذهب يا عمر! فأعطه حقه، وزده عشرين صاعًا جزاء ما روعته﴾.
انطلق عمر وأعطى الرجل حقه، وزاده عشرين صاعًا.
فقال زيد: ما هذه الزيادة يا عمر؟
قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أزيدك جزاء ما روعتك، فتلألئ وجه زيد بالبشر، قال: ألا تعرفني يا عمر؟ قال: لا.
قال: أنا زيد؛ حبر اليهود، لم يكن من علامات النبوة شيء إلا عرفته في وجه رسول الله إلا علامتين؛ أنه يسبق حلمه جهله، ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلمًا، وقد عرفتهما الآن، فأشهدك -يا عمر - أني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، رضيت بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ نبيًا، وأشهدك يا عمر فوق ذلك أن شطر مالي صدقه على أمة محمد ﷺ.
يا لله! شدة وعنف تقابل من رسول الله ﷺ بحلم عظيم تجعل ذلك ينضم لهذا الدين، ويبذل له نصف ماله في أول لحظات إسلامه: ﴿وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٤ - ٣٥].
فيا قاصد البحر! ويا أيها الداعي إلى الله! تذكر أن الكلمة القاسية الجافة؛ لها كلمة طيبة مرادفة تؤدي نفس المعنى بلا أذى، وفي المثل: إنَّ نقطة العسل تصيد من الذباب ما لا يصيده برميل علقم
فبالعوراء لا تنطق ولكن بما يرضى الإله من الكلام
يمر أحد الصالحين بقرية يدعوهم فيها إلى الهدى، فيسبونه ويشتمونه، فيدعو لهم بالصلاح والهداية، فقال أصحابه: تدعو لهم وهم يريدون بك شرًا، وترد عليهم خيرًا؟!
قال في سُمُو خلق، ورقة نفس، وسعة صدر: كلٌ ينفق مما عنده.
إن كريم الأصلَ كالغصنِ كُلما ازداد من خيرٍ تواضعَ وانحنى
فخذهم بالرقى إن المهارى يهيجها على السير الحداء
فاقصد البحر برفق وخل القنوات!

17 / 33