فقلنا لهم: لم أنكرتم أن أهل الجنة ينظرون إلى ربهم؟ فقالوا: لا ينبغي لأحد أن ينظر إلى ربه؛ لأن المنظور إليه معمول موصوف، فقلنا لهم: أليس الله يقول: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ١؟ فقالوا: إنما معناه أنها تنظر الثواب من ربها، وإنما ينظرون إلى فعله وقدرته، وتلوا آية من القرآن: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ ٢ المعنى: ألم تر إلى فعل ربك.
فقلنا: إن فعل الله لم يزل العباد يرونه، وإنما قال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ٣، فقالوا: إنما تنتظر الثواب من ربها. فقلنا: إنها مع ما تنتظر من الثواب، هي ترى ربها. فقالوا: إن الله لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة، وتلوا آية من المتشابه من قوله -جل ثناؤه-: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ ٤.
وقد كان النبي ﷺ يعرف معنى قول الله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ ٥ وقال: "إنكم سترون ربكم"٦ وقال الله لموسى –﵇ ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ٧ ولم يقل لن أرى، فأيهما أولى أن يتبع؟ النبي ﷺ حين قال: "إنكم سترون ربكم" ٨ أم جهم حين قال: لا ترون ربكم؟ والأحاديث في أيدي أهل العلم عن النبي ﷺ أن أهل الجنة يرون ربهم، لا يختلف أهل العلم في ذلك.
ومن حديث سفيان، عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد في قول الله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ ٩ قال: النظر إلى وجه الله.
ومن حديث ثابت البُناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: " إذا استقر أهل الجنة في الجنة نادى منادٍ: يا أهل الجنة إن الله قد أذن لكم في الزيارة، قال: فيكشف الحجاب، فينظرون إلى الله لا إله إلا هو ".
وإنا لنرجو أن يكون جهم وشيعته ممن لا ينظرون إلى ربهم ويحجبون عن الله؛ لأن الله قال للكفار: ﴿كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ١٠.
فإذا كان الكافر يُحجب عن الله، والمؤمن يُحجب عن الله، فما فضل المؤمن على الكافر؟
فالحمد لله الذي لم يجعلنا مثل جهم وشيعته، وجعلنا ممن اتبع، ولم يجعلنا ممن ابتدع. انتهى كلام أحمد بحروفه ولفظه.
وهذا الكتاب -الذي نقلت منه هذا الكلام- رواه عن أحمد أئمة أصحابه
١ سورة القيامة آية: ٢٣.
٢ سورة الفرقان آية: ٤٥.
٣ سورة القيامة آية: ٢٢.
٤ سورة الأنعام آية: ١٠٣.
٥ سورة الأنعام آية: ١٠٣.
٦ البخاري: مواقيت الصلاة (٥٥٤)، ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (٦٣٣)، والترمذي: صفة الجنة (٢٥٥١)، وأبو داود: السنة (٤٧٢٩)، وابن ماجه: المقدمة (١٧٧)، وأحمد (٤/٣٦٠،٤/٣٦٢،٤/٣٦٥) .
٧ سورة الأعراف آية: ١٤٣.
٨ البخاري: مواقيت الصلاة (٥٥٤)، ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (٦٣٣)، والترمذي: صفة الجنة (٢٥٥١)، وأبو داود: السنة (٤٧٢٩)، وابن ماجه: المقدمة (١٧٧)، وأحمد (٤/٣٦٠،٤/٣٦٢،٤/٣٦٥) .
٩ سورة يونس آية: ٢٦.
١٠ سورة المطففين آية: ١٥.
1 / 115
مقدمة
فصل الأقوال والآراء في قتال الحسين ليزيد
بيان مذهب الزيدية من البدع
فصل الشيعة المعتدلون من أئمة الحديث
فصل افتراء الشيعة على أهل السنة الانحراف عن آل البيت وتولي الدول الجائرة
فصل في أهواء الشيعة والخوارج في حديث الردة وحديث الوصية بآل البت
فصل في تفسير قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى
فصل في تفسير إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت وتحريف الشيعة لها
فصل في أهواء الشيعة في مناقب أحاديث آل البيت
فصل في زعم الزيدي أن الوهابي كفر من خالف مذهبه، وأبطاله
فصل في إنكار الزيدي صفة العلو والفوقية لله تعالى والرد عليه
فصل في مسألة القدر وإثبات السلف والخلف أهل السنة له
فصل في شبهة تأويل بعض السلف للصفات
رد الإمام أحمد على الزنادقة والجهمية
فصل في اعتدال أهل السنة بين غلو الشيعة وجفوة النواصب
فصل في كلام بعض أهل البيت في الثناء على معاوية
الاختلاف بين علي ومعاوية ورأي أهل السنة في هذه الفتن