358

Bilim ve Hikmet Toplayıcısı

جامع العلوم والحكم

Soruşturmacı

شعيب الأرناؤوط - إبراهيم باجس

Yayıncı

مؤسسة الرسالة

Baskı

السابعة

Yayın Yılı

١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م

Yayın Yeri

بيروت

أحدُهما: أن يكون منَ مرادُه الأمرَ بالأسباب التي توجب حُسْنَ الخُلُقِ من الكرم والسخاء والحلم والحياء والتواضع والاحتمال وكفِّ الأذى، والصفح والعفو، وكظم الغيظ، والطَّلاقةِ والبِشْرِ، ونحوِ ذلك من الأخلاق الجميلة، فإن النفسَ إذا تخلَّقت بهذه الأخلاق، وصارت لها عادة أوجب لها ذلك دفع الغضب عند حصول أسبابه.
والثاني: أن يكونَ المرادُ: لا تعمل بمقتضى الغضب إذا حَصَلَ لك، بل جاهد نفسَك على ترك تنفيذه والعمل بما يأمر به، فإن الغضب إذا ملك ابنَ آدم كان كالآمر الناهي له، ولهذا المعنى قال الله ﷿: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ [الأعراف: ١٥٤] فإذا لم يمتثل الإنسانُ ما يأمره به غضبُه، وجاهد نفسه على ذلك، اندفع عنه شرُّ الغضب، وربما سكن غَضَبُهُ، وذهب عاجلًا، فكأنه حينئذ لم يغضب، وإلى هذا المعنى وقعت الإشارةُ في القرآن بقوله ﷿: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧]، وبقوله ﷿: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤].
وكان النبيُّ ﷺ يأمر من غَضِبَ بتعاطي أسبابٍ تدفعُ عنه الغضبَ، وتُسَكِّنُهُ، ويمدح من ملك نفسَه عند غضبه، ففي "الصحيحين" عن سليمانَ بنِ صُرَد قال: استَبَّ رجلانِ عندَ النبيِّ ﷺ ونحنُ عنده جلوسٌ، وأحدُهما يَسُبُّ صاحبهُ مغضبًا قد احمرَّ وجهُهُ، فقال النبيُّ ﷺ: "إني لأعْلَمُ كلمةً لو قالها، لذهبَ عنه ما يجد، لو قال: أعوذُ بالله من الشَّيطان الرجيم" فقالوا للرجل: ألا تسمعُ ما يقولُ النبيُّ ﷺ؟ قال: إني لَسْتُ بمجنونٍ (^١).
وخرَّج الإمامُ أحمد والترمذيُّ من حديثَ أبي سعيد الخُدري أن النبيَّ ﷺ

(^١) رواه البخاري (٦١١٥) و(٣٢٨٢) و(٦٠٤٨)، ومسلم (٢٦١٠)، وانظر تفسير قوله: "إني لست بمجنون" في "فتح الباري" ١٠/ ٤٦٧.

1 / 364