653

Cemalet Makaleler

جمهرة مقالات ورسائل الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور

Yayıncı

دار النفائس للنشر والتوزيع

Baskı

الأولى

Yayın Yılı

١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥ م

Yayın Yeri

الأردن

وقد أرشدنا إلى ذلك ما في الصحيح عن أبي موسى الأشعري أنه قال: "توضأتُ يومًا وخرجت من بيتي فقلت: لألزمَنَّ رسول الله يومي هذا، ولأكونن معه، فجئتُ المسجدَ فسألت عنه، فقالوا: خرج" إلخ. (١) فقوله: "فجئت المسجد، فسألت عنه"، يُنبئ بأن مَظِنَّةَ لقاءِ الرسول هي المسجد.
ثم إن تعيينَ مكان جلوسه من المسجد لم يَجْرِ له ذكرٌ في كلامهم. والذي يظهر لي أنه كان يلزم مكانًا معيَّنًا للجلوس، لينتظره عنده أصحابُه والقادمون إليه. والظاهرُ أن هذا المكان المعين هو ما بين المنبر وحجرة عائشة ﵂، وهو الملقَّب بالروضة، ويدل لذلك أربعةُ أدلة:
الدليل الأول: ما ورد في الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله قال: "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة". (٢) وللعلماء في معنى ذلك تأويلاتٌ أظهرها - والذي مال إليه جمهورُهم - أنه كلامٌ جرى على طريقة المجاز المرسل.
فإن ذلك المكانَ لَمَّا كان موضعَ الإرشاد والعلم، كان الجلوسُ فيه سببًا للتنعم برياض الجنة، فأُطلق على ذلك المكان أنه روضةٌ من رياض الجنة بإطلاق اسم المسبَّب على السبب، أو جرى على طريق الاستعارة بأن شَبَّه ما يصدر في ذلك المكان من الإرشاد والتشريع والعلم والموعظة والحكمة المنعشة للأرواح بما في رياض الجنة من الثمار والأزهار والأنهار ذات الإنعاش الخالد، فأُطلق اسمُ المشبَّه به على المشبه. وفي هذا انباءٌ بأن موضعَ الروضة مجلسُ رسول الله الذي كان فيه معظمُ إرشاده وتعليمه الناس.

(١) جزء من حديث طويل فيه وصف لكيفية جلوس بعض الصحابة مع النبي ﵇ ومدى قربهم منه. صحيح البخاري، "كتاب فضائل الصحابة"، الحديث ٣٦٧٤، ص ٦١٧؛ صحيح مسلم، "كتاب فضائل الصحابة ﵃"، الحديث ٢٤٠٣، ص ٩٣٨ - ٩٣٩.
(٢) صحيح البخاري، "كتاب فضائل الصلاة في مسجد مكة والمدينة"، الحديث ١١٩٥، ص ١٩٠؛ صحيح مسلم، "كتاب الحج"، الحديث ١٣٩١، ص ٥١٥.

2 / 671