582

Cemalet Makaleler

جمهرة مقالات ورسائل الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور

Yayıncı

دار النفائس للنشر والتوزيع

Baskı

الأولى

Yayın Yılı

١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥ م

Yayın Yeri

الأردن

الضعف والخناعة عندما يحرمون شهواتهم ولذاتهم، فالواجب عليهم في هذا المقام التدبر والاستهداء بأهل العلم ليفهموا غاية هذا المعنى، وأرى أن معظم الصحابة لم يكن يخفى عنه ما في إعراض الرسول عن الاهتمام بالطعام من الحكم، ولولا ذلك لما قصرت كثرتهم ووفرة أموالهم عن إمداد بيت رسول الله بخيرات أموالهم، ولم ينقل إلينا أن ذلك كان يحصل منهم إنما كانوا يهدون إليه طرفًا من باكورة الثمار أو من عسل ونحوه في مناسبات قليلة، وكان رسول الله ﷺ بدعوته إلى الطعام، كما ورد في حديث أبي شعيب الأنصاري إذ دعا رسول الله في خمسة من أصحابه فجاءه رسول الله بعدد كثير، وبارك الله في الطعام فكانت معجزة.
تنافس آل النبي ﷺ وأصحابه في الاقتداء به:
كان آل رسول الله ﷺ وأصحابه أشد الناس حرصًا على الاقتداء به في الكمال، وأشدُّ الناس قربًا إليه أشدهم اقتداءً به. وقد كان ﷺ يحمل أقرب الناس إليه على ذلك، ففي البخاري أن النبي ﷺ أتى بيت فاطمة ابنته فلم يدخل فجاء علي فذكرت فاطمة ذلك له فذكره علي للنبي ﷺ فقال: "إني رأيت على بابها سترًا موشيًّا فقلت ما لي وللدنيا"، فأخبر علي فاطمة فقالت ليأمرني فيه بما شاء، فقال الرسول: "ترسل به إلى فلان أهل بيت بهم حاجة"، (١) فكرهه لابنته ولم يكرهه للذين أرسل إليهم. وفي البخاري وغيره عن علي أن فاطمة ﵂ بلغها أن رسول الله ﷺ أتي برقيق، فجاءته تشكو ما تلقى في يدها من الرحى وتسأله خادمًا من ذلك الرقيق الذي أُتي به إليه فلم تجده فذكرت ذلك لعائشة، فلما جاء رسول الله أخبرته، قال علي: فجاءنا رسول الله ﷺ وقد أخذنا مضاجعنا فقال: "ألا أدلكما على خير لكما من خادم؟ إذا أويتما إلى فراشكما فكبرا ثلاثًا وثلاثين وسبحا ثلاثًا وثلاثين

(١) صحيح البخاري، "كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها"، الحديث ٢٦١٣، ص ٤٢٣.

2 / 600