فقولُه (إِلَّا قَلِيلًا) إما أن يكون اسْتُثنيَ من قوله (لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) إلا قليلًا لا يستنبطون ولا يعلمون لتركهم الاستنباط، أو لمقاربة معنى استنباطهم من إفسادٍ له باستثقال الحق، أو تخليطٍ فيه بتقديمٍ
أو تأخير وطلب الغَلَبة، وما جرى مجرى ذلك، فكأنَّه قال: لعَلِمه الذين
يستنبطونَه منهم إلا قليل لا يستنبطون فلا يعلمون، أو إلا قليلًا يستنبطون
استنباطا فاسدًا فلا يعلمون.
أو أن يكون استُثنيَ من قوله: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ) إلا قليلاَ منهم إذا جاءهم ذلك لا يدفعونه، فيردُّ الاستثناء فيه إلى
المذكور المتقدم، والاستثناءُ في الكلام ربما رجعَ إلى أقرب المذكور وهو
الذي يليه، وربَّما رجعَ إلى جميع الجملة المقدَّم ذكرُها، وربَّما رجع إلى
أبعد المذكور منها إذا وَسِعَه، وإنَّما يجب إيقافُه على حكم الدليل لموضع
الاحتمال لردة إلى كل شيءٍ من ذلك، وقد بيّنا ذلك وأوضحناه في كتاب
"جامع الأبواب والأدلة"، واستقصينا القولَ في الأصول الشرعية وفي غيره
من أصول الفقه بما يُغني الناظرَ فيه إن شاء الله.
فأمَّا تعلُّقهم بقوله: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ)، وأن هذا نقيضُ ما وصَفَ به سائر رسله من
أنّهم أعلمُ الخَلْق به، وأعرفُهم بصدقه وصفاته، وأنهم مختارون ومصطفَون
على علمِ على العالمين، فإنه لا تعلق لهم فيه من وجوه.
أولها: أنّ هذا القولَ ليس بخبرٍ عن حصول شكه ﵇ فيما أُنزل
عليه وإنّما هو تقريرٌ له وتنبية أنه منزل على غيره أيضًا، وقد يقول القائل لمن
يعلمُ أنه لا شكّ عنده في الأمر، ولا ريبَ: فإن كنتَ في شك مما أنزله
وأخْبَر به فسل غيري وسل الناس عنه، وسيما إذا كان يريدُ بذلك إظهارُ
2 / 715
المقدمة
تمهيد
(باب) (القول في بيان حكم بسم الله الرحمن الرحيم والناس والفلق، ودعاء القنوت وترتيب سور القرآن ونظم آياته وعددها والقول في أول ما أنزل منه وآخره)
(باب) الكلام في بيان الحكم في أول ما نزل من القرآن وآخره ومكيه ومدنيه، وهل نص الرسول ﵇ على ذلك أم لا
(باب) القوله في ببان حكم كلام القنوت، وما روي عن أبي من الخلاف في ذلك
(باب) القول في ترتيب سور القرآن وهل وقع ذلك منهم عن توقيف أو اجتهاد
(باب) الكشف عن وجوب ترتيب آيات السور وأن ذلك إنما حصل بالنص والتوقيف دون الاجتهاد
(باب) الكلام في المعوذتين والكشف عن ظهور نقلهما وقيام الحجة بهما، وإبطال ما يدعونه من إنكار عبد الله بن مسعود لكونهما قرآنا منزلا
الجزء الثاني
(باب) تعلقهم بالشواذ والزوائد المروية عن السلف رواية الآحاد، وبيان فساد تعلقهم بذلك
باب ذكر مطاعنهم في صحة القرآن ونظمه من جهة اللغة ووصف شبه لهم تجمع ضروبا من مطاعنهم على التنزيل والكشف عن إبطالها
(باب) الكلام في معنى التكرار وفوائده ونقض ما يتعلقون به فيه