والحكم. ومن ذلك: تحليل البيع وتحريم الربا للفرق بينهما، على الرغم من أن البيع والربا يتحدان أو يتفقان في الصورة والشكل والظاهر، فكلاهما مبادلة مال بمال، أو تبادل عوض بعض، ولكنهما يختلفان في الحكم، بسبب الاختلاف في الحقيقة والعلة والآثار والمقاصد. ولذلك أبطل الله تعالى حكم أهل الجاهلية الذين سوَّوا بين الربا والبيع ﴿قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾(١)، فردَّ عليهم الشارع عز وجل بقوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾(٢).
ومن ذلك أيضا تحريم نكاح التحليل ونكاح المتعة لأنهما يفرقان عن النكاح الشرعي من حيث الاستدامة والاستبقاء، فهذان النكاحان يتفقان مع النكاح الشرعي في الصورة والمظاهر، غير أنهما يخالفانه في الحقيقة والحكم، إذ النكاح العادي الشرعي تكون حقيقته استدامة الرابطة الزوجية وعدم التوقيت أو التحايل لتحليل الزوجة لزوج آخر.
ثم ازداد الالتفات إلى الفروق الفقهية في عصر الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم - ، وذلك عندما نشطت الحركة الفقهية الاجتهادية بسبب اتساع دائرة الفتوحات الإسلامية والتواصل مع البيئات والحضارات الجديدة التي فرضت مشكلات ومستجدات تتطلب المعالجة الشرعية الاجتهادية لها.
ومن بين المسالك الاجتهادية التي سلكها العلماء للقيام بتلك المعالجة الشرعية في ذلك، التفاتهم إلى مسلكية مراعاة الفروق بين الأمور والفروع المتشابهة، حتى لا تأخذ نفس الأحكام. ولعل الرسالة العمرية في القياس والأشباه والنظائر لخير شاهد على مراعاة الفروق والاعتبار بها.
فقد جاء في هذه الرسالة الموجهة إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: (الفهمَ الفهمَ فيما يختلج في صدرك مما لم يبلغك في الكتاب والسنة، اعرف الأمثال والأشباه، ثم قس الأمور عند ذلك، فاعمد إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق فيما ترى)(٣).
(١) سورة البقرة، الآية: ٢٧٥.
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٧٥.
(٣) الأشباه والنظائر: السيوطي: ص ٧.