أما نشأة النظائر، باعتبارها فروقا بين أمور تتشابه في وجه ما وتختلف في وجوه أخرى، أو باعتبارها المسائل والفروع التي تتشابه في الصور وتختلف في الحكم، فالنظائر بهذا المعنى قد نشأت مع نشأة الأحكام، وذلك لأن بعض الأحكام قد تتشابه في وجه وقد تختلف في عدة أوجه، ومثال ذلك الربا، فهو يشبه البيع في كونه مبادلة مال بمال ولكنه يخالفه في أوجه كثيرة تتصل بطبيعتهما وآثارهما وغير ذلك مما يجعل الفرق بينهما واقعا أكيدا وأمرا لازما حتى تُناط الأحكام بعللها وبحقائقها الشرعية المعتبرة. ولعل قوله تعالى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَوا﴾(١) يأتي في سياق نفي التماثل أو تقرير الفرق بين البيع والربا، ردًّا على القائلين بأن البيع مثل الربا.
ثم تواصل الالتفات إلى الأشباه والنظائر في زمن الصحابة والتابعين، من ذلك رسالة عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، حيث جاء فيها: (الفهمَ الفهمَ فيما يختلج في صدرك مما لم يبلغك في الكتاب والسنة، اعرف الأمثال والأشباه، ثم قس الأمور عند ذلك، فاعمد إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق فيما ترى(٢).
ثم تواصل الاهتمام بالأشباه والنظائر في مختلف العصور الإسلامية، مع التفاوت الملحوظ في درجة الإطناب والإسهاب، وكان هذا الاهتمام واقعا في مجالات وعلوم شرعية مختلفة، كعلم القرآن(٣) والحديث، وعلم الأدب(٤) اللغة والنحو، وعلم الفلسفة والحكمة، وغيرها.
(١) سورة البقرة، الآية: ٢٧٥.
(٢) الأشباه والنظائر: السيوطي: ص ٧.
(٣) مثال ذلك: كتاب الأشباه والنظائر في تفسير القرآن العظيم للإمام مقاتل بن سليمان البَلْخي (١٥٠ هـ)، وكتاب كشف السرائر في معنى الوجوه والأشباه والنظائر لمحمد بن العماد المصري (٨٨٧ هـ)، وهو مطبوع بتحقيق الدكتور فؤاد عبد المنعم. ينظر قواعد الندوي: ص ٧٨.
(٤) من ذلك: كتاب الأشباه والنظائر من أشعار المتقدمين والجاهلية والمُخَضْرَمين للخالديّين أبي بكر (٣٨٠ هـ) وأبي عثمان سعيد (٣٩٠ هـ) ابنّي هاشم. ينظر قواعد الندوي: ص ٧٨.