اعلم أن الكلام في هذا الخبر في فصول أربعة:
الفصل الأول أن الله تعالى يوصَف بأن له نَفْسًا
٤١٧ - وقد أوْمأ إليه أحمد فيما خَرَّجَه في "الرَّد على الجهمية" فقال: إذا أردت أنْ تعرف أن الجهمي كاذبٌ على الله، حين زعم أنه في [كلِّ] مكان، ولا يكون في مكان دون مكان، فقل له: أليس كانَ الله ولا شيء، فحين خلق الشيء خلقه في نفسه أو خَارجًا من نفسه؟ فإنْ قال: خلقه في نفسه كَفَرا! (^١) وإنْ قال: خلقه خارجًا من نفسه ثم دخل فيهم، كان أيضًا كُفْر، حين دخل في مكان وحيز بل وُحشٍّ، وإنْ قال: خلقهم خَارجًا من نفسه ولم يدخل فيهم؛ رجع عن قوله وهو قول أهل السُّنة (^٢).
وهذا من كلام أحمد يَدلُّ على إثبات النفْس، لأنّه جعل ذلك حُجة عليهم، ولو لم يعتقد ذلك لم يحتج به، وقد أخبر بذلك في أي من كتابه منها قوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤]. وقوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦]. وقوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨]. وقوله: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١)﴾ [طه: ٤١] ولأنه ليس في إثبات النفس ما يحيل صفاته ولا يخرجها عَمَّا تستحقه، لأنَّا لا نُثْبتْ نفسًا مَنْفُوسَةً مُجسَّمةً مركَّبة ذات روح، ولا نثبت نفسًا بمعنى الدَّم على ما تقوله العرب: له نفسٌ سائلة وليست له نفس ويُريدون بذلك الدَّم (^٣)، لأن الله سبحانه يتعالى عن ذلك، بل نُثبتُ نَفْسًا
(^١) في "الرد على الزنادقة والجهمية" المطبوع زاد: حين زعم أن الجن والإنس والشياطين في نفسه!
(^٢) "الرد على الزنادقة" (ص ٥٠) مع اختلافات يسيرة.
(^٣) اللسان (٦/ ٤٥٠٠) وفيه: وإنما سُمّي الدمُ نَفْسًا، لأن النفس تخرج بخروجه.