ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه
ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه
Yayıncı
دار الفكر العربي
٣١٢- ومهما يكن من الأمر فهو يرى أن المذهبين فيهما ابتداع، وإن كان ابتداع دون ابتداع: لأن كلا المذهبين يتجه إلى التسوية بين الطائع والعاصي: أما الأول فقد سوى بينهما من حيث إن كليهما لا يعد مسئولا عما فعل؛ لأنه لا إرادة له قط؛ لأن الله سبحانه وتعالى هو الفاعل المختار وحده؛ وأما الثاني وهو الاعتزال؛ فقد سوى بينهما من حيث أن كلا من الطائع والمذنب فعل ما فعل من غير أن يخص الله أحدهما بنعمة التوفيق في إيمانه، ويحرم الثاني منها في كفره، بل هما في الأصل سواء، ثم كان التفاوت من بعد في العمل، مع أن الله سبحانه وتعالى قال: ((يضل من يشاء، ويهدي من يشاء)).
مذهب السلف في نظره:
٣١٣- ولقد قرر أن مذهب السلف هو الإيمان بالقدر خيره وشره، وشمول قدرة الله تعالى وإرادته؛ وأن الله سبحانه خلق العبد، وكل ما فيه من قوى، وأن العبد يفعل ما يشاء بقدرته ومشيئته، ويقول في ذلك: ((وما ينبغي أن يعلم أن مذهب سلف الأمة مع قولهم: الله خالق كل شيء وأنه خلق العبد هلوعا إذا مسه الشر جزوعا، وإذا مسه الخير منوعا ونحو ذلك - أن العبد فاعل حقيقة وله مشيئة وقدرة، وقال تعالى: ((لمن شاء منكم أن يستقيم، وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين)) وقال تعالى: ((إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا، وما تشاءون إلا أن يشاء الله)) وقال تعالى: ((إن هذه تذكرة فمن شاء ذكره، وما يذكرون إلا أن يشاء الله هو أهل التقوى وأهل المغفرة(١))).
وهو بهذا يعمم إرادة الله، ويثبت القدرة للإنسان؛ ولكن يقرر أن عموم الإرادة الإلهية والقدرة الكونية وشمولها لكل شيء ثابتة بالنصوص تضافرت عليها، والقدرة الإنسانية ثابتة بالحس والشعور؛ ولا سبيل لإنكار ما ثبت بالنص؛ ولا مجابهة الحس؛ وإن الناس بالحس والشعور يتحملون مسئوليات أعمالهم
(١) الرسائل والمسائل ص ١٤٢.
306