ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه
ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه
Yayıncı
دار الفكر العربي
للعبد، وقالوا إن قدرة العبد لا تأثير لها في حدوث مقدورها؛ ولا في صفة من صفاتها، وأن الله أجرى العادة بخلق المقدورها مقارناً لها. فيكون الفعل خلقاً من الله وإبداعاً، وكسباً من العبد لوقوعه مقارناً لقدرته، وقالوا إن العبد ليس محدثاً لأفعاله، ولا موجداً، ومع هذا فقد يقولون إنا لا نقول بالجبر المحض، بل نثبت للعبد قدرة حادثة، والجبر المحض لا يثبت للعبد قدرة)).
((وأخذوا يفرقون بين الكسب الذي أثبتوه، وبين الخلق، فقالوا الكسب عبارة عن اقتران المقدور بالقدرة الحادثة، والخلق هو المقدور بالقدرة القديمة، وقالوا أيضاً الكسب هو الفعل القائم بمحل القدرة عليه؛ والخلق هو الفعل الخارج عن محل القدرة عليه(١))).
هذا مذهب الأشاعرة كما حكاه ابن تيمية، وهو في هذا يراهم جبرية أو مائلين للجبرية، ومذهبهم يؤدي إليها، وقد صرح بذلك تلميذه ابن القيم، ويأخذ عليهم ابن تيمية تفريقهم بين الفعل والكسب؛ لأن الكسب إن كان مجرد اقتران لا تأثير له فهو لا يصلح مناطاً لتحمل المسؤولية واستحقاق العقاب والثواب، وإن كان فعلاً له تأثير وتوجيه وإيجاد وإحداث وصنع وعمل فهو مقدور، فإن قلت إنه لله فهو جبر، وإن قلت إنه للعبد فهو اعتزال.
رأيه في المعتزلة:
٣١٠- وإنه إذ يأخذ على الأشاعرة ذلك ويأخذ على الجبرية ما سبق، فهو يرى أن القدرية أو المعتزلة أقرب منهم وأحسن حالاً، وإن لم يكن مذهبهم هو مذهب السلف، ويقول في ذلك:
هذا المقام، وأي مقام، زلت فيه أقدام، وضلت فيه أفهام، وبدل دين المسلمين، والتبس فيه أهل التوحيد بعباد الأصنام على كثير ممن يدعون نهاية التوحيد والتحقيق والمعرفة والكلام، ومعلوم عند كل من يؤمن بالله ورسوله أن المعتزلة والشيعة والقدرية المثبتين للأمر والنهي والوعد والوعيد خير ممن
(١) مجموعة الرسائل والمسائل ج ٥ ص ١٤٢.
304