ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه
ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه
Yayıncı
دار الفكر العربي
((مثال آخر إذا سمع لفظ الفوق في قوله تعالى: وهو القاهر فوق عباده. وفي قوله تعالى: يخافون ربهم من فوقهم، فليعلم أن الفوق اسم مشترك لمعنيين:
(أحدهما) نسبة جسم إلى جسم بأن يكون أحدهما أعلى، والآخر أسفل، يعني أن الأعلى من جانب رأس الأسفل، وقد يطلق لفوقية الرتبة، وبهذا المعنى يقال الخليفة فوق السلطان، والسلطان فوق الوزير، وكما يقال العلم فوق العلم، والأول يستدعي جسماً ينسب إلى جسم، (والثاني) لا يستدعيه؛ فليعتقد المؤمن قطعاً أن الأول غير مراد، وأنه على الله تعالى محال، فإنه من لوازم الأجسام، أو لوازم أعراض الأجسام، وإذا عرف ففي هذا المحال فلا عليه أن يعرف لماذا أطلق، وماذا أريد، فقس على ما ذكرناه ما لم نذكره (١))).
ما بين الغزالي وابن تيمية:
٢٩٧- هذا كلام الغزالي رضي الله عنه قد نقلناه مع طوله؛ لأنه يوضح تلك المعاني السلفية توضيحاً جلياً دقيقاً؛ ويقرب بيانه حتى يكون دانياً من المدارك كلها يستوي في ذلك العالم والجاهل، وترى منها أنه يقرر أن السلف فسروا الآيات والأحاديث المتشابهة تفسيراً معنوياً وليس جسمياً، ولا عضوياً، وأنهم لم يفسروا الفوقية بالجهة أو ما في معناها، بل أشار إلى أن اليد ليست بالنسبة لله يداً أو عضواً، بل هي كما يقال وضع الأمير يده على المدينة؛ والصورة ليست شكلاً بل معنى؛ والنزول ليس هو إلا كقول الشافعي نزلت ثم نزلت... ويقول في الفوقية أنها فوقية الرتبة.
وقد يقال إن ذلك يتقارب مما قال ابن تيمية لأنه نهى العامي عن أن يبحث عن حقيقة النزول، وحقيقة الفوقية إلى آخره، وذلك بلا شك قد يتقارب من ابن تيمية في منحاه، ولذلك قال ابن تيمية إن الغزالي في كتابه إلجام العوام عن علم الكلام قد رجع إلى منهاج السلف الصالح، وطرح المناهج الفلسفية، والمسالك الكلامية، وارتضى فكر السلف مشرعا ومنهاجا.
(١) إلجام العوام عن علم الكلام ص ٥، ٦، ٧.
291