284

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Yayıncı

دار الفكر العربي

أدق صرف اللفظ عن المعنى الظاهر إلى غير الظاهر، أو صرف اللفظ من المعنى الراجح إلى المعنى المحتمل المرجوح لدليل يقترن به - إن هذا الاستعمال من اصطلاح علماء الأصول وعلماء الكلام وإن كان له أصل. فإذا قال أحدهم هذا النص مؤول أو محمول على كذا قال الآخر هذا نوع تأويل، ويقول في ذلك:

والتأويل يحتاج إلى دليل، والمتأول عليه وظيفتان: بيان احتمال اللفظ للفظ الذي ادعاه، وبيان الدليل الموجب للصرف إليه عن المعنى الظاهر(١).

وإن ذلك المعنى الاصطلاحي لا ينطبق على الآية لا على الذين فسروا، ولا على الذين توقفوا؛ لأن الذين فسروا أخذوا بالظاهر، واعتبروا الظاهر وحده، ولم يتركوه لغيره؛ فلا يعتبرون قد أولوا، لأن التأويل على حد كلام الفقهاء ليس مطلق تفسير على هذا النظر، بل تخريج اللفظ على غير المعنى الظاهر لدليل آخر؛ ولا على مذهب المتوقفين من السلف لأنهم لم يفسروا، ولم يخرجوا.

٢٩١- ومهما يكن فإن تفسير كلمة التأويل بمعنى معرفة المآل والحقيقة يستقيم كل الاستقامة على مذهب الذين لا يفسرون والذين يفسرون من السلف ويقفون عند لفظ الجلالة كما نوهنا؛ وإن إطلاق كلمة تأويل بهذا المعنى يتفق مع استعمال القرآن الكريم في كثير من آي الكتاب الكريم؛ ويتفق مع المعنى اللغوي.

أما اتفاقه مع استعمال القرآن، فإن ابن تيمية يسوق استعمال القرآن الكريم في ستة مواضع غير سورة آل عمران التي يجري تحت ظلها الاختلاف في الآراء. وأول هذه المواضع قوله تعالى في سورة النساء ((يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، ذلك خير وأحسن تأويلا))، فقد فسر مفسرو السلف التأويل هنا بالثواب والجزاء والعافية، ومؤدى ذلك أن يكون بمعنى المآل؛ لأن الثواب والجزاء هو مآل الطاعة.

(١) الإكليل في المتشابه والتأويل ص ٢٣.

283