320

Allah'ın Kesin Delili

حجة الله البالغة

Soruşturmacı

السيد سابق

Yayıncı

دار الجيل

Baskı

الأولى

Yayın Yılı

سنة الطبع

Yayın Yeri

بيروت - لبنان

(الاقتصاد فِي الْعَمَل)
اعْلَم أَن أدوأ الدَّاء فِي الطَّاعَات ملال النَّفس، فَإِنَّهَا إِذا ملت لم تنتبه لصفة الْخُشُوع، وَكَانَت تِلْكَ المشاق خَالِيَة عَن معنى الْعِبَادَة، وَهُوَ قَوْله ﷺ: " إِن لكل شَيْء شرة وَإِن لكل شرة فَتْرَة " وَلِهَذَا السِّرّ كَانَ أجر الْحَسَنَة عِنْد اندراس الرَّسْم بعملها وَظُهُور التهاون فِيهَا مضاعفا أضعافا كَثِيرَة، لِأَنَّهَا وَالْحَالة هَذِه لَا تنبجس إِلَّا من تنبه شَدِيد وعزم مُؤَكد، وَلِهَذَا جعل الشَّارِع للطاعات قدرا كمقدار الدَّوَاء فِي حق الْمَرِيض لَا يُزَاد، وَلَا ينقص.
وَأَيْضًا فالمقصود هُوَ تَحْصِيل صفة الْإِحْسَان على وَجه لَا يُفْضِي إِلَى إهمال الارتفاقات اللَّازِمَة، وَلَا إِلَى غمط حق من الْحُقُوق، وَهُوَ قَول سلمَان ﵁: إِن لعينيك عَلَيْك حَقًا وَإِن لزوجك عَلَيْك حَقًا، فَصدقهُ النَّبِي ﷺ: " أَنا أَصوم وَأفْطر، وأقوم وأرقد، وأتزوج النِّسَاء، فَمن رغب عَن سنتي فَلَيْسَ مني ".
وَأَيْضًا فالمقصود من الطَّاعَات هُوَ استقامة النَّفس وَدفع اعوجاجها، لَا الإحصاء، فَإِنَّهُ كالمتعذر فِي حق الْجُمْهُور، وَهُوَ قَوْله ﷺ: " اسْتَقِيمُوا، وَلنْ تُحْصُوا، وَأتوا من الْأَعْمَال مَا تطيقون " والاستقامة تحصل بِمِقْدَار معِين يُنَبه النَّفس لالتذاذها بلذات الملكية وتألمها من خسائس البهيمية، ويفطنها بكيفية انقياد البهيمية للملكية، فَلَو أَنه أَكثر مِنْهَا اعتادتها النَّفس، واستحلتها فَلم تتنبه لثمرتها
وَأَيْضًا فَمن الْمَقَاصِد الجليلة فِي التشريع أَن يسد بَاب التعمق فِي الدّين
لِئَلَّا يعضوا عَلَيْهَا بنواجذهم، فَيَأْتِي من بعدهمْ قوم، فيظنوا أَنَّهَا من الطَّاعَات السماوية الْمَفْرُوضَة عَلَيْهِم، ثمَّ تَأتي طبقَة أُخْرَى، فَيصير الظَّن عِنْدهم يَقِينا، والمحتمل مطمأنا بِهِ، فيظل الدّين محرفا، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى:
﴿رَهْبَانِيَّة ابتدعوها مَا كتبناها عَلَيْهِم﴾
وَأَيْضًا فَمن ظن من نَفسه - وَإِن أقرّ بِخِلَاف ذَلِك من لِسَانه - أَن الله لَا يرضى إِلَّا بِتِلْكَ الطَّاعَات الشاقة، وَأَنه لَو قصر فِي حَقّهَا فقد وَقع بَينه وَبَين تَهْذِيب نَفسه حجاب عَظِيم، وَأَنه فرط فِي جنب الله، فَإِنَّهُ يُؤَاخذ بِمَا ظن، وَيُطَالب فِي بِالْخرُوجِ عَن التَّفْرِيط فِي جنب الله

2 / 34