قالت عائشة ﵂: أول ما بُدئ مرض أبي بكر أنه اغتسل، وكان يومًا باردًا فحُمّ خمسة عشرة يومًا لا يخرج إلى صلاة، وكان يأمر عمر بالصلاة، وكانوا يعودونه، وكان عثمان ألزمهم له في مرضه (١)، ولما اشتد به المرض قيل له: ألا تدعو لك الطبيب؟ فقال: قد رآني فقال إني فعال لما أريد (٢)، وقالت عائشة ﵂ قال أبو بكر: انظروا ماذا زاد في مالي منذ دخلت في الإمارة فابعثوا به إلى الخليفة بعدي. فنظرنا فإذا عبد نوبي كان يحمل صبيانه، وإذا ناضح (٣) كان يسقي بستانًا له. فبعثنا بهما إلى عمر، فبكى عمر وقال: رحمة الله على أبي بكر لقد أتعب من بعده تعبًا شديدًا (٤).
وقالت عائشة ﵂: لما مرض أبو بكر مرضه الذي مات فيه، دخلت عليه وهو يعالج مايعالج الميت ونفسه في صدره فتمثلت هذا البيت:
لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى
إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر
فنظر إليّ كالغضبان، ثم قال: ليس كذلك يا أم المؤمنين، ولكن قول الله أصدق ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ (سورة ق، آية:١٩). ثم قال: يا عائشة: إنه ليس أحد من أهلي أحب إليَّ منك، وقد كنت نحلتك حائطًا (٥)، وإن في نفسي منه شيئًا فردِّيه إلى الميراث. قالت: نعم فرددته. وقال ﵁: أما إنا منذ ولينا أمر المسلمين لم نأكل لهم دينارًا ولا درهمًا، ولكنا قد أكلنا من جريش طعامهم في بطوننا، ولبسنا من خشن ثيابهم على ظهورنا، وليس عندنا من فيء المسلمين قليل ولا كثير إلا هذا العبد الحبشي، وهذا البعير الناضح، وجرد هذه القطيفة، فإذا مت فابعثي بهن إلى عمر، وابرئي منهن ففعلت، فلما جاء الرسول إلى عمر بكى حتى جعلت دموعه تسيل في الأرض، ويقول: رحم الله أبا بكر، لقد أتعب من بعده، رحم الله أبا بكر، لقد أتعب من بعده، رحم الله أبا بكر، لقد أتعب من بعده (٦).
(١) أصحاب الرسول، محمد المصري (١/ ١٠٤).
(٢) ترتيب وتهذيب البداية والنهاية، ص٣٣.
(٣) الناضح: هوالبعير الذي يستقى عليه.
(٤) صفة الصفوة (١/ ٢٦٥).
(٥) حائطًا: وفي رواية جَداد وهي بمعنى قطع ثمرة النخل (صفة الصفوة، ١/ ٢٦٦).
(٦) الطبقات لابن سعد (٣/ ١٤٦،١٤٧) رجاله ثقات.