320

Fasl al-Khitab fi al-Zuhd wa al-Raqa'iq wa al-Adab

فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب

فارق رسول الله الدنيا وهو يحكم جزيرة العرب ويرهبه ملوك الدنيا، ويفديه أصحابه بنفوسهم وأولادهم وأموالهم، وما ترك عند موته دينارًا ولادرهمًا، ولاعبدًا، ولا أمة، ولاشيئًا، إلا بغلته البيضاء، وسلاحه وأرضا جعلها صدقة (١) وتوفي ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعًا من شعير (٢)، وكان ذلك يوم الاثنين ١٢ ربيع الأول سنة ١١هـ للهجرة بعد الزوال (٣)، وله ثلاث وستون سنة (٤)، وكان أشد الأيام سوادًا ووحشة ومصابًا على المسلمين، ومحنة كبرى للبشرية، كما كان يوم ولدته أسعد يوم طلعت فيه الشمس (٥)، يقول أنس ﵁: كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله ﷺ المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان الذي مات فيه أظلم منها كل شيء (٦) وبكت أم أيمن فقيل لها مايبكيك على النبي قالت: إني قد علمت أن رسول الله ﷺ سيموت ولكن إنما أبكي على الوحي الذي رفع عنا (٧).
هول الفاجعة وموقف أبي بكر منها:
[*] قال ابن رجب ﵀:
ولما توفي رسول الله ﷺ اضطرب المسلمون، فمنهم من دُهش فخولط ومنهم من أقعد فلم يُطق القيام، ومنهم من أعتُقل لسانه فلم يطق الكلام، ومنهم من أنكر موته بالكلية (٨).
[*] والمصيبة برسول الله ﷺ من أعظم المصائب المصيبة في الدين بنص السنة الصحيحة:
(حديث ابن عباس ﵄ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: إذا أصاب أحدكم مصيبة فليذكر مصيبته بي فإنها من أعظم المصائب.
وصدق رسول الله ﷺ، لأن المصيبة به أعظم من كل مصيبة يصاب بها المسلم بعده إلى يوم القيامة، انقطع الوحي، وماتت النبوة، وكان أول ظهور الشر بارتداد العرب وغير ذلك، وكان أول انقطاع الخير وأول نقصانه (٩).

(١) البخاري، كتاب المغازي رقم ٤٤٦١.
(٢) السيرة النبوية للندوي، ص٤٠٣.
(٣) البداية والنهاية (٤/ ٢٢٣).
(٤) مسلم، كتاب الفضائل (٤/ ٨٢٥).
(٥) انظر: السيرة النبوية للندوي، ص٤٠٤.
(٦) الترمذي (٥/ ٥٤٩) رقم ٣٦١٨.
(٧) مسلم (٤/ ١٩٠٧).
(٨) لطائف المعارف، ص١١٤.
(٩) تفسير القرطبي (٢/ ١٧٦).

1 / 319