511
شبهة حول الكلام عن العقائد والرد عليها
السؤال
هناك شبهات تثار حول إحياء التراث العقائدي، وهي القول بأن الوقت الآن ليس وقت دعوة إلى عقيدة؛ لأن الدعوة إلى العقيدة وتفاصيل العقيدة كالأسماء والصفات تشغل المسلمين، وبالتالي يغزون في عقر دارهم من قبل الشيوعيين وغيرهم من الكفار، فهي دعوة تفرق المسلمين، وأن هذه التفاصيل أيضًا في العقيدة لم يخض فيها النبي ﷺ والصحابة، فما مدى صحة هذا القول؟
الجواب
إن العقيدة الإسلامية كما ذكرت هي الأساس الذي يقوم عليه الدين الإسلامي، وهي في غاية البساطة والسهولة واليسر، وإن كان هناك أمران في العقيدة: أمر في غاية الصعوبة، وأمر في غاية السهولة.
فالوصول إلى العقيدة الصافية من خلال الاختلافات العقائدية صعب إلا على من وفقه الله إليه، لكن إذا وصلنا إلى الحق الذي أنزله الله، والذي كان عليه الرسول ﷺ في فهم العقيدة فسنجدها سهلة ميسرة، فقد كان الرسول ﷺ يخبر بها الناس ويتعلمونها في جلسة، ولا زال ذلك إلى اليوم سهلًا.
فيستطيع الرجل العادي أن يفهم العقيدة السليمة في جلسة واحدة أو في جلستين، لكن الإشكال كيف يصل إليها من خلال هذا الاختلاف والفلسفات وهذه الأقوال والتناقضات التي تركت لنا من ميراث المدارس المختلفة؟ أما القول بأن العقيدة الصحيحة لا نحتاج إليها في البناء فغير صحيح، بل نحن نحتاج إليها، لكننا لا نحتاج إلى عقيدة المعتزلة أو إلى عقيدة ابن عربي والحلاج والفرق المختلفة.
لكن العقيدة الصافية المأخوذة من الكتاب والسنة السهلة الفطرية فهذه لا بد منها، وأحب أن أبين هنا أن هناك فرقًا بين العقيدة وبين ضوابط العقيدة، فالعقيدة: هي الإيمان بالله ﵎، ومعرفة صفاته من خلال النصوص، فيعرف المسلم سعة علم الله وعظمته ورحمته ﵎ من خلال تصوير القرآن لهذه الصفات، وهذا أمر لا بد منه، وهذا هو الذي يحيي النفوس والقلوب، فإننا إنما نتصل بالله ربنا من خلال صفاته ومن خلال أسمائه، فالله ﷾ لا يرى في الدنيا إذ هو غيب في الدنيا فكيف سنعرفه؟ لكنه في النصوص الصحيحة قد عرَّفنا بنفسه وصفاته.
إن لب القرآن هو معرفة الله، ولن نعرفه إلا من خلال أسمائه وصفاته، فكيف يحجر على المسلمين أن يعرفوا ربهم ومعبودهم وفاطرهم؟! فإن أعظم قضية هي أن تبين صفات الله ﵎ وأسمائه، وما عبث الرسول ﷺ عندما قال: (إن لله تسعًا وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة)، وليس هناك عبث عندما يختم الله كل آية من آيات القرآن بذكر أسمائه: السميع والبصير والعليم والحكيم والخبير وغيرها، فليس هذا عبثًا، بل هو من لب الدين.
فلا بد أن نعرف ربنا ﵎، وهذه هي العقيدة.
وهناك ضوابط للعقيدة جعلها العلماء، حتى لا يضل الإنسان وهو يسير في حياته عندما تأتي فكرة خارجية أو معتزلية، فوضع علماء السلف هذه العقيدة البسيطة السهلة في صفحات قليلة، بخلاف كتب المعتزلة فإنك تجد فيها من التطويل والإغراق في التفريعات ما يتوه به المرء عند قراءتها، وانظر مثلًا إلى كتاب عبد الجبار المعتزلي المطبوع في عشرين جزءًا والجزء الواحد أحيانًا يكون عدة مجلدات.
ولكن كتب العقيدة الإسلامية السليمة مكتوبة في عدة صفحات، وهي عقيدة كافية؛ لأنها ضوابط، أما معرفة الله ﵎ من خلال النصوص القرآنية، والنصوص الحديثية، وطرح صفات الله وأسمائه من خلال الآيات والأحاديث فهو لب العقيدة الإسلامية.
فعقيدتنا في معرفة الملائكة هي من خلال ما يحدثنا عنه القرآن والسنة، ومعرفة اليوم الآخر هي من خلال القرآن والأحاديث، وكذلك وصف الجنة والنار يعرف من خلال الآيات والأحاديث.
وأما الضوابط للعقيدة فإننا نحتاجها حتى لا نضل، وهذه الضوابط لا تملأ قلبك إيمانًا، لكنها تمنعك من الانحراف، وهي الموجودة في بعض كتيبات العقيدة، وهي لا تملأ قلب الإنسان إيمانًا، وإنما الذي يملأ قلب الإنسان إيمانًا هو أن يعرف صفات الله ﵎ وأسمائه وأفعاله، فيعرف ربوبيته من خلال آيات القرآن الكريم والسنة النبوية.
قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ * وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ * وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ * وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء:٣٠ - ٣٣].
فهذا الآيات تخبرنا عن الله ﵎ فتأمل معانيها، وبعد ذلك تبين كيف تشعر نفسك؟ وكيف يمتلأ قلبك إيمانًا؟ وكم يزداد قربك من الله ﵎؟.

52 / 23