453
ضرورة اجتماع الجانب العقدي مع الجانب العملي في الإيمان
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
موضوع حديثنا في هذه الليلة هو ذكر بعض التنبيهات الهامة في بعض قضايا العقيدة.
فالجانب الاعتقادي هو جزء من الجانب الإيماني، والاعتقاد جزء من الإيمان، وهو المعرفة القلبية التي تتعلق بالقضايا الأصول من الإيمان، والقضايا الأصول من الإيمان هي: الإيمان بالله، واليوم الآخر، والملائكة، والكتاب، والنبيين، فمنها ما يتخذ جانبًا عمليًا، ومنها ما يتخذ جانبًا اعتقاديًا.
والجانب الاعتقادي أمر هام بالنسبة للإيمان، ولكن ليس هو الإيمان كله، فليس كل الإيمان اعتقادًا، أو بمعنى آخر: إن الذي يأتي بالعقيدة الصحيحة وحدها لا تغني عنه عند الله ﷾، ولا تكفيه العقيدة السليمة أو العقيدة الصحيحة وحدها عند الله تعالى، فالاعتقاد هو معرفة علم، لذلك نسميه بالمعرفة والإثبات، فنثبت لله ﷾ ما أثبته لنفسه وما أثبته له رسوله ﷺ، وننفي عن الله ما نفاه عن نفسه وما نفاه عنه رسوله ﷺ، فنثبت له أسماءه وصفاته وأفعاله، وندلل على ربوبيته ﷾ وقدرته.
وهذا الجانب الاعتقادي أو العلمي لا ينجي عند الله ﷾ وحده؛ بل لا بد معه من أمور عملية، ومن هذه الأمور العملية قصد القلب وإقراره، أي: أن يقر القلب ويرضى بالله ﷾ ربًا، فيقصده ﷾ بحبه ورجائه وخوفه ورغبته ورهبته، فهذه أمور قلبية ولكنها ليست أمورًا اعتقادية، فحب الله ﷾ ليس أمرًا اعتقاديًا وإنما هو أمر عملي قلبي، ولذلك فالمعرفة وحدها أحيانًا لا تساوي شيئًا عند الله ﷾، فإبليس مثلًا كان يقر ويعلم علمًا يقينيًا أن الله ﷾ هو المعبود، ويعرفه بأسمائه وصفاته، وكثير من المشركين الذين أرسل إليهم الرسل كانوا يقرون ويعترفون بقلوبهم بالله ﷾، وبصدق الرسول ﷺ، ولكن ذلك لا يغنيهم عند الله ﷾، ولذلك يقول موسى لفرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء:١٠٢]، وقال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل:١٤]، فقد وصل الأمر عندهم إلى درجة العقيدة اليقينية بأن هذه من عند الله ﷾، ومع ذلك لم ينفعهم ذلك؛ لعدم وجود التصديق والإقرار، وهو الذي يقول فيه الرسول الله ﷺ: (من رضي الله ربًا، وبمحمد رسولًا، وبالإسلام دينًا)، فالرضا القلبي غير متوفر.
ثم هناك مع الرضا القلبي أمور عملية قلبية، ومن جملتها حب الله ﷾، وهذا أمر مكمل وأساسي، والخوف منه، والرهبة منه، والرغبة إليه، ورجاؤه ﷾، ثم تأتي بعد ذلك الأمور العملية سواءً كانت قولية أو عملية.
والإقرار باللسان هو الإقرار بأن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ثم العمل، وكل ذلك أيضًا لا بد منه حتى يكتمل الأمر الذي ينجي عند الله، ولذا لم ترد هذه البحوث في القرآن الكريم أو في السنة النبوية باسم العقيدة، أي: لم يأتِ أن الأمور التي تنجي عند الله هي الأمور الاعتقادية كذا وكذا وكذا وكذا، بل إن كل ما جاءنا في كتاب الله وفي سنة الرسول ﷺ هو الإيمان، ثم بيَّن الله ﷾ أصول الإيمان وفصّلها.
فهذه قضية أولى، وهي أن الأمور الاعتقادية جزء من الإيمان، وأنها لا تنفع ولا تغني وحدها عند الله ﷾، فلا بد معها من أمور أخرى: أمور قلبية، وأمور قولية، وأمور عملية.
وهنا أيضًا أمر أساسي ننبه عليه، وهو أنه في كثير من الأحيان يصبح الاعتقاد عند الناس -إذا كان مجرد اعتراف ومعرفة أمرًا باهتًا باردًا لا يؤثر في حياة الإنسان، ولا يؤثر في سلوكه، وقد يكثر بعضهم من البحث والدراسة والتنقيب ليتعرف على أمور العقيدة، ثم يبقى الأمر عنده محصورًا في جانب المعرفة والعلم فقط، ولا يتعداه إلى أطوار أخرى، فلا يتعداه إلى جانب الإقرار والتطبيق، ولا إلى جانب الأمور العملية: القلبية والقولية والجسدية، فيعيش في دائرة باهتة ويظن أنه قد وصل إلى القمة وهو لا يزال في أول الطريق.
فالجانب العلمي جانب مهم وجانب خطير، لكن لا بد أنه تتبعه خطوات على الطريق حتى تكتمل الصورة التي يريدها الإسلام من المسلم الحق، فالجوانب العلمية وحدها لا تغني، فلابد أيضًا أن تتبعها أمور أخرى مهمة حتى يكون المرء من الذين يستحقون أن يكونوا رجالًا مسلمين مؤمنين كما سماهم الله ﷾.

49 / 2