481
النصوص الواردة في وجوب اتباع الهدى وترك اتباع الهوى
إن الأمة قد انحرفت عن كتاب الله وعن سنة النبي ﵊، مع أن الأوامر في كتاب الله وفي سنة النبي ﵊ لا تكاد تحصى عددًا في الأمر بطاعة الله وبطاعة النبي ﵊، وبيان أن النصر في الاستمساك والعض بالنواجذ على الكتاب والسنة، وعلى هدي السلف رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
ولكن الأمة تغافلت أو تناست هذا كله، ووقعت في هواها بجميع طوائفها وفئاتها، وإن الله ﵎ أمر المؤمنين باتباع الأثر وترك الهوى، فقال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ [النساء:١٣٥].
وهذا أمر موجه لأهل الإيمان.
فالمؤمن لا ينبغي له قط أن يكون متبعًا لهواه؛ لأن المؤمن لا يسعه إلا أن يقول: سمعنا وأطعنا عند سماع قول الله تعالى وقول الرسول الكريم ﷺ، وأثنى الله ﵎ على نبيه الكريم أنه لا ﴿يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤].
والأنبياء ﵈ لا يتكلمون بأهوائهم ولا بأمزجتهم وإنما يتكلمون بوحي من السماء، خاصة فيما يتعلق بالوحي، فليس من نبي نبئ ولا من رسول أرسل إلا تكلم فيما أمره الله تعالى أن يبلغه لأمته، أو يبلغه إلى الناس عامة كما أمر نبينا ﵊، فكانت رسالته عامة وشاملة للإنس والجن إلى قيام الساعة.
وهذا أسلوب حصر وقصر، فإن النبي ﵊ ما تكلم بحرف واحد فيما يتعلق بالتشريع والعبادة والعقيدة، وما يتعلق بالدين في الجملة إلا بوحي السماء، ولو أنه تكلم بكلامنا لربما زاغ، ولكن هذا الزيغ منتف؛ لأن الأنبياء معصومون في البلاغ عن الله ﷿.
وحذر الله ﵎ نبيه أن يتبع أهواء قوم قد ضلوا من قبل، وأضلوا كثيرًا وضلوا عن سواء السبيل، فقال الله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف:٢٨].
والنبي ﵊ ليس متبعًا لهواه؛ لأن هواه في طاعة الله ﷿، أمره ربه ﵎ أن يطيع، وألا يتبع أهواء قوم قد ضلوا من قبل، وأضلوا كثيرًا وضلوا عن سواء السبيل.
وقال سبحانه: ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ [طه:١٦]، وهذا يدل على أن من اتبع هواه تردى في هوة سحيقة، وقال سبحانه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة:٤٩]، أي: لا تحاب أحدًا -يا محمد- في طاعة الله وشرعه مهما كان عظيمًا أو شريفًا، أو ذا منزلة أو وجاهة أو منصب أو مكانة في قومه، فلا تعبأ بهذا؛ لأن العبرة بموافقة الحق من كتاب الله ومن سنة النبي ﵊، فقال سبحانه مذكرًا نبيه وآمرًا له: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة:٤٩].
لا تحكم بينهم بما يتوافق مع أهوائهم، وهذا لمجرد توجيه النبي ﵊، وإلا فالنبي ﵊ معصوم عن اتباع الهوى.
ثم بين الله تعالى لرسوله الكريم عاقبة اتباع الهوى، فقال سبحانه لداود ﵇: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ [ص:٢٦]، لأنك لو اتبعته يضلك عن سبيل الله؛ فلذلك من أعظم عواقب اتباع الهوى: أنه يوقع في الضلال.
وقوله ﵊: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدًا).
فكتاب الله وسنة رسوله ﵊ هما النجاة من الضلال، وهذا يعني: أننا لو أعرضنا عن الكتاب والسنة لوقعنا في الضلال، بمفهوم المخالفة، وهذا الذي وقعت فيه الأمة الآن.

28 / 3