الإيرادات والاعتراضات على هذا المذهب وأدلته:
١ - اعترض القاضي ابن عطية على الاستدلال بقوله تعالى: (فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) وأنَّ المراد بها مشركو العرب، اعترض قائلًا: «وهذا تحكم لا يساعده اللفظ، ويتجه أنْ يُقال: تعالى الله عن ذلك اليسير المتوهم من الشرك في عبودية الاسم، ويبقى الكلام في جهة أبوينا آدم وحواء ﵉ وجاء الضمير في «يشركون» ضميرَ جمعٍ؛ لأن إبليس مدبر معهما تسمية الولد عبد الحارث». اهـ (١)
٢ - واعتُرِضَ أيضًا: بأن هذا المذهب يرده قوله تعالى: (جَعَلاَ) بصيغة التثنية، فلو كان المراد المشركين من ذرية آدم ﵇ لورد اللفظ بصيغة الجمع.
وقد أجاب الفخر الرازي عن هذا الاعتراض فقال: «فإن قيل: فعلى هذا التأويل ما الفائدة في التثنية في قوله: (جَعَلاَ)؟ قلنا: لأن ولده قسمان: ذكر وأنثى؛ فقوله: (جَعَلاَ) المراد منه الذكر والأنثى، مرة عبر عنهما بلفظ التثنية؛
لكونهما صنفين ونوعين، ومرة عبر عنهما بلفظ الجمع، وهو قوله تعالى: (فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)». اهـ (٢)
قلت: الأولى أنْ يقال: التثنية لاعتبار اللفظ، والجمع لاعتبار المعنى، ومنه قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ) [البقرة: ٨] ثم قال: (وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ) [البقرة: ٨] حيث أفرد أولًا باعتبار اللفظ في قوله: (مَن يَقُولُ)، ثم جمع باعتبار المعنى في قوله: (بِمُؤْمِنِينَ). (٣)
المبحث الخامس: الترجيح:
الذي يَظْهُرُ صَوَابُه - والله تعالى أعلم - أنَّ الآيتين ليست في آدم وحواء ﵉ وإنما هي خطاب للمشركين من قريش وغيرهم، والمقصود بها ضرب المثل، وأنَّ هذه هي حالة المشركين، فهو سبحانه يذكر أنه خلق كل
(١) المحرر الوجيز، لابن عطية (٢/ ٤٨٧).
(٢) مفاتيح الغيب (١٥/ ٧٢).
(٣) انظر: الإتقان في علوم القرآن، للسيوطي (١/ ٦٠٣ - ٦٠٤).