ويرى هؤلاء أنْ لا تعارض بين حديث أبي هريرة وحديث عبد الله بن عمرو ﵃؛ إذ الأول مُطلَق والثاني مُقَيَّد، فيُحْمَل المُطلَق على المُقَيَّد.
قالوا: ومعنى قوله ﷺ في حديث أبي هريرة: «مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ»: «أي مع أجرٍ خالصٍ إنْ لم يغنم شيئًا، أو مع غنيمةٍ خالصةٍ معها أجر، وكأنَّه سَكَتَ عن الأجر الثاني الذي مع الغنيمة لنقصه بالنسبة إلى الأجر الذي بلا غنيمة، والحاملُ على هذا التأويل أنَّ ظاهر الحديث أنَّه إذا غَنِمَ لا يحصل له أجر، وليس ذلك مرادًا؛ بل المراد أو غنيمة معها أجرٌ أنقَص من أجر من لم يغنم؛ لأنَّ القواعد تقتضي أنَّه عند عدم الغنيمة أفضل منه وأتم أجرًا عند وجودها، فالحديث صريح في نفي الحرمان، وليس صريحًا في نفي الجمع». (١)
وأما حديث عبد الله بن عمرو ﵁ فمعناه: «أنَّ الغزاة إذا سَلِمُوا أو غَنِمُوا يكون أجرهم أقلَّ من أجر من لم يَسْلَم، أو سَلِمَ ولم يَغْنَم، وأنَّ الغنيمة هي في مُقابَلَةِ جُزءٍ مِنْ أجرِ غزوهم، فإذا حَصَلت لهم فقد تعجَّلوا ثُلُثَي أجرهم المترتِّب على الغزو، وتكون هذه الغنيمة من جملة الأجر». (٢)
قالوا: ولا تعارض بين الحديثين؛ فإن الذي في حديث أبي هريرة ﵁ رجوعه بما نال من أجر أو غنيمة، ولم يقل إنَّ الغنيمة تُنقص الأجر، ولا قال أجره كأجر من لم يغنم، فهو مُطْلَقٌ وحديث عبد الله بن عمرو مُقَيَّد؛ فوجب حمله عليه. (٣)
المذهب الثاني: إثبات الأجر كاملًا للمجاهد، سواء غنم أم لم يغنم، عملًا بحديث أبي هريرة ﵁، وأخذًا بظاهر الآية.
وهذا مذهب: ابن عبد البر، وأبي الوليد الباجي، والقاضي عياض، وأبي العباس القرطبي، وأبي عبد الله القرطبي. (٤)
(١) فتح الباري، لابن حجر (٦/ ١١)، وانظر: طرح التثريب، للعراقي (٧/ ١٩٦).
(٢) شرح صحيح مسلم، للنووي (١٣/ ٧٨).
(٣) انظر: شرح صحيح مسلم، للنووي (١٣/ ٧٨).
(٤) انظر على الترتيب: الاستذكار، لابن عبد البر (١٤/ ١٠)، والمنتقى شرح الموطأ، لأبي الوليد الباجي
(٣/ ١٦٠)، وإكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض =