375

Hazinesi ve Deha

الذخائر والعبقريات

Yayıncı

مكتبة الثقافة الدينية

Yayın Yeri

مصر

تغسله لِعُكوفِهما على ما يُوجب الغُسْل، وإنّما خَصَّ الحَرام لأنّه جعلها زائرة غريبة ولم يَجْعلْها زوجةً ولا مملوكةً. . . وقوله: كأنّ الصبحَ. . . البيت يقول: إنّها تفارقه عند الصبح فكأنَّ الصُّبحَ يطردها، وأنّها إذا فارقته تجري مدامعُها من أربعةٍ سِجامٍ، يريد كثرةَ العرق - عرق الحمُّى - فكأنّها تبكي عند فراقِه لِحُبِّها إياه، وأراد بالأربعة: اللَّحاظين والمُوقَين للعينَين. وقوله: أراقبُ وقتها إلخ يقول: أنتظر وقتَ مجيئِها كما ينتظرُ المَشوقُ مجيءَ حبيبه، وذلك أنّ المريض يجزعُ لوُرودِ الحُمّى، فهو يُراقب وقتها خوفًا لا شوقًا. ثم قال: ويَصدق وعدُها، يقول: إنّها صادقةُ الوعد في الورود وذلك الصدق شَرٌّ من الكذب، لأنه صدقٌ يضر ولا ينفع كمن أوْعدَ ثم صَدقَ في وعيدِه. . . وقال المتنبي أيضًا:
ومَنازلُ الحُمَّى الجسومُ فقلْ لَنا ... ما عُذْرُها في تَرْكِها خَيْراتِها
أعْجَبْتها شَرفًا فطالَ وُقوفُها ... لِتأمُّلِ الأعْضاءِ لا لأذاتِها
يقول المتنبي لهذا الممدوح - وكان مُصابًا بالحمُّى - إنَّ جِسمكَ خيرُ الأجْسامِ فلا عُذْرَ للحمُّى في تركه، لأنّ محلَّها الأجْسام! ثمّ قال: إنّ الحمُّى لمَّا رأتْكَ في المَحَلِّ الأرْفعِ من الشرفِ والكرمِ والنُّبْل أعْجَبْتها فأقامَتْ في بدنِكَ لتأمُّلِ أعْضائِكَ التي اشْتَملتْ على تلك المحامِدِ، لا لأنّها تريد أن تؤذيَك. . . وقال الشاعر أبو الفتح كُشاجم في عليّ بن سليمان الأخفش:
ولقَدْ أخْطأ قَوْمٌ زَعَموا ... أنّها مِنْ فَضْلِ بَرْدٍ في العصَبْ

2 / 49