وإن كنت تعرِفُه مسندًا من غير طريقهم، فأخبِرْنا بذلك الإسناد؟ وكيف تيسرت لك معرفتُه بعدَ الإنكارِ لها، والاستبعاد؟ وإن كنتَ لا تعْرِفُ له سندًا إلا مِن طريق رجالِ الحديث وأئمة الأثرِ، فكُفَّ عن القوم غَرْبَ لِسانِك، واجعل شُكْرَكَ لهم بدلًا عن شَنآنِكَ، وما أحسنَ قول بعضهم (١):
أقِلُّوا عَلَيهِمْ لا أَبَا لأِبِيْكُمُ ... مِنَ اللَّوْمِ أو سُدُّوا المَكانَ الذِي سَدُّوا
هذا ولا بُدَّ من التعرض لوجوه تكشف النِّقاب عن وجهِ الصواب وإن كانت هذه الشبهة مما لا تحتمِلُ الجواب.
الوجه الأول: أن الشافعيَّ ﵁ مِن قُدماء العلماء، ورجال المئة الثانية من الهجرة النبوبة، وعلى رأسِها توفي سنة أربع ومئتين، وقد كان القدماءُ مِن أصحابه متقدمين لِمن لا يأتي عليه العَد مِن أئمة الإِسلام من أهلِ البيت ﵈، وسائر العلماء الأعلام، فهذا البُويطي (٢) صاحبُ الشافعي المشهور توفي سنةَ إحدى وثلاثين ومئتين، والقاسم ﵇ توفي سنةَ ست وأربعين ومئتين، فوفاةُ البُويطيِّ صاحب الشافعي
= وشرح شواهد المغني ٦/ ١١٢، و" المقتضب " ٢/ ٢٦، وشرح المفصل ٧/ ٢٤، ومعجم المرزباني ٤١٠.
(١) هو الحطيئة جرول بن أوس بن مالك العبسي أبو مليكة شاعر فحل متين الشعر مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام، وكان هجاء عنيفًا لا يكاد يسلم من لسانه أحد، هجا أمه وأباه ونفسه، والبيت في ديوانه ص ٤٠ من قصيدة مطلعها:
ألا طرقتنا بعدَما هَجَعُوا هِنْدُ ... وقد سِرْنَ خمسًا واتلأبَّ بنا نجدُ
(٢) هو أبو يعقوب يوسف بن يحيى المصري البويطي صاحب الإمام الشافعي، لازمه مدة، وتخرج به، وفاق الأقران. قال الإمام الذهبي في " سير أعلام النبلاء " ١٢/ ٥٩: كان إمامًا في العلم، قدوة في العمل، زاهدًا ربانيًا، دائم الذكر والعكوف على الفقه، بلغنا أن الشافعي قال: ليس في أصحابي أحد أعلم من البويطي، وقال الربيع بن سليمان المرادي: ما أبصرت أحدًا أنزع بحجة من كتاب الله من البويطي.